حكاية غرام

 مشاعر وهواجس امرأة عجوز تخضع لعملية تحليل نفسي، وتستدعي ذكرياتها منذ كانت طفلة.عبر ثلاثة مونولوجات طويلة تُشكل فصول الرواية الثلاثة، وترسم لوحة لبطلتها” كارولينا” وزمنها، بل ولزمننا نحن أيضا، حيث تتقاطع فيها خيالات “كارولينا” مع ملامح عصرنا الراهن ورموزه السلطوية (الأسرة، المجتمع، الحكومات). تتكون الرواية من ثلاثة فصول، أولها بعنوان “في القفص”، وهو عن الأغلال التي تحكم المرأة أولاً، ثم الأغلال التي تحكم الرجل أيضًا، والتي تحكم حياة البشر جميعًا، وفيه تحاول البطلة ” كارولينا” الإفلات والتحرر مما يثقل روحها.

تستدعي فيه ذكرياتها منذ كانت طفلة غير مرغوبة داخل أسرة مُفككة، يتغيب الأب عنها طويلاً بينما تتحمل الأم كارهةً كل مشاق الحياة والتربية والعمل، ونرى رسائل الأب القليلة كأنها آتية من عالم آخر، عالم فلسفي يعيشه الأب بأفكار مجردة غارقا في همومه هو الذاتية، غير عابئ بالأسرة ومشكلاتها الحياتية.

في حين يأتي الفصل الثاني بعنوان “صراع مع الملاك” ليكشف لنا عن الصراع التي تخوضه مع المثال الذي يصنعه لها المجتمع، حين يطالبها أن تكون ملاكا وخادمة وعبدة لسيد وحيد هو الذكر، ومحاولة كسر جمود التماثيل التي نصنعها لأنفسنا.

نتعرف من خلال مشاهد تخيلية وأخرى واقعية على معاناتها مع زوج يشبه الأب كثيرًا، غارق في عالمه الخاص، مسجونًا داخل فنه،حيث يقوم بصناعة الدمى والألعاب والتماثيل، نراه من خلال عيني البطلة مسجونًا داخل أغلال روحه وعالمه تارة، ونراها هي السجينة تارة أخري، وكأن القهر متبادل بينهما، وكأن لكل إنسان سجنه وأغلاله، التي يصنعها هو نفسه أحيانًا أويصنعها حوله المجتمع

في الفصل الثالث:”النهاية”عملت “كارولينا” بنصيحة معلمها وطبيبتها وتحررت بفضل الحكي وبفضل السباحة والإبحار في الذاكرة والأفكار والتأملات، لتكتشف أنها أصبحت أكثر خفة وجمالا، بعدما عرفت أن القهر لم يكن فقط واقعًا علي المرأة ولكنه يسم البشر جميعًا، وأن علاقتها بالرجل لم تكن فقط علاقة سيد بعبد، لكنها كانت أكثر تعقيدًا من ذلك، فقد اتضح لها أيضًا أنها استنامت لفكرة العبودية، وتخلت عن مسؤولية التحرر والاختيا، كما فهمت أن الرجل أيضا لم يكن ذلك السيد طول الوقت، وأن اللعبة كانت دوما متبادلة بين الجنسين وبين البشر جميعا ( لعبة السيد والعبد) وحتي بين الواحد ونفسه.

الرواية مونولوج طويل في عقل وذاكرة امرأة، يتخذ شكل اعتراف تطهري، وتتكون الرواية من مقاطع سردية وحلمية، تتجاور فيها الخيالات والذكريات القديمة والمشاهد السريالية الحديثة لحياة امرأة عانت من كل أشكال الإنكار والاضطهاد واستلاب حقها في أن تمتلك أمر حياتها.

لم تعتمد الرواية على المباشرة ولا التصريح بالأفكار، لكنها قدمت دراما رمزية داخل لاشعور أنثى تحاول أن تكتشف طريقها، وأن تعرف هدف حياتها، فلاتوجد هنا حكاية كلاسيكية، ولا شخصيات درامية، بقدر مايوجد دفقات لاشعورية، أشبه بلوحات رمزية تعبر عن أحوال البطلة كما تعبر أيضا عن أحوال كل امرأة. وهي في الحقيقة تعبر عن القهر الإنساني عموما سواء بالنسبة للمرأة أو للرجل.

شارك

خالد البلتاجي

أكاديمي مصري ومترجم