بينتشو – قصة باخرة

“بينتشو” هي قصة خمسمئة إنسان غالبيتهم من يهود شبان، أبحروا على متن باخرة نهرية عام 1940 في محاولة للوصول إلى فلسطين عبر البحر، كتبها المخرج السلوفاكي يارو ريهاك كسيناريو فيلم، وفاز السيناريو بواحدة من أكبر الجوائز السينمائية التشيكية، ورشحت النسخة الموسعة من السيناريو والتي صدرت في دار النشر السلوفاكية مارنتشين عام 2016 لجائزة أفضل عمل أدبي سلوفاكي. إنها قصة تاريخية، لكنها تتكرر. بالأمس كان ركابها يهود أوروبيون، واليوم هم عرب، ومسلمون، وأفارقة، آسيويون، وغدًا من يدري.
كان يمكن أن تنتهي الرحلة بكارثة في أي لحظة، لكن أبطالها فضلوا مواجهة احتمال الموت غرقًا على العذاب أو الموت في معسكرات الاعتقال النازية. هي قصة تكاد تكون منسية. كتبت بناء على مذكرات وذكريات اشخاص أدارات لهم أوربا ظهرها، فأداروا لها ظهورهم، والآن تكتسب قصة الرحلة أبعادًا جديدة تمامًا. يقول مؤلف القصة: “هذه القصة تهزني شخصيًّا، تهزني بنفس القدر الذي تحدثه قصص من يتأرجحون اليوم فوق أمواج البحر الأبيض المتوسط، جوعى يموتون وهم يحلمون بأوروبا، تمامًا مثلما حلم أبطال الباخرة “بينتشو” بما هو “على الجانب الآخر”.
قراءة قصة الباخرة تدعوك إلى فهم المأساة التي عاشها اليهود في أوربا زمن الحرب العالمية، لكنها لا تبرر أن تتكرر نفس المشاهد على يد أوروبيين هربوا إلى فلسطين، لا يعني القبول بتحول الضحية إلى جلاد، إنما يعني تطوير منطق أعمق في مواجهة السياسات الأوروبية والأمريكية لاحقًا والتي خلفت ضحية جديدة وهي الشعب الفلسطيني، وأدت، إلى جانب عوامل أخرى، في مناطق عربية مختلفة إلى موجات من النازحين في “زوارق بحرية” أو لنقل في بينتشو معاصرة.
تلك حكاية طوتها صفحات النسيان، أو هذا على الأقل ما ظهر منذ الوهلة الأولى، فكر المخرج الأمريكي مارتن هولي في تحويلها إلى فيلم سينمائي في الستينات، لكن لم يجتمع لديه ما يكفي من الوثائق، على ما يبدو، يقول كاتب السيناريو يارو ريهاك: “بدأتُ مع إيجور روسناك في كتابتها في منتصف التسعينات، وانتهينا كما انتهى مارتن، عرفنا بحكاية الباخرة، واجتمعت لدينا الوقائع، وكل ما استطعنا القيام به هو تسطير بضع صفحات لا تكفي لصنع قصة قصيرة، ووجدنا أنفسنا في نفس الدائرة، يمكن أن يتشارك اثنان في الكتابة بشرط أن يكون الموضوع واضحًا، واستمر الأمر طويلًا، قرأت وقتها مقالة حول مخاطبات ركاب الباخرة، أخبرتني بعدها كاترينا هرادسكا، كاتبة المقالة أن أحد منظمي الرحلة مازال على قيد الحياة، ويعيش في البلد الذي طالما حلم أن يعيش فيه.
حكى له طالب الطب السابق أليكسندر سيترون الذي بدل اسمه هذا منذ أكثر من نصف قرن، وراح يتذكر، ساعات وأيام يحكي عن الأوضاع في سلوفاكيا، وعن البيتاريين، وعن شابوتينسكي: “عرفني على أصدقاءه، قرأت يومياتهم، واستمعت إلى حكاياتهم وكأنني استمع إلى تاريخ آخر”.
سعى شابوتينسكي إلى التسريع من عملية الهجرة بعدما تنبأ بانهيار المجتمع الأوربي المتسامح، علقت أخبار الكارثة في الهواء، رغم أنها بدت بعيدة، يصعب التصديق بها، يقول الرجل العجوز: “انتظرت الغالبية في ترقب، لا تعرف مآل الأمور، ثم تدافعت الأحداث، انتظر الأرثوذوكس قدوم المسيا، استعد أطفالهم بالحقائب، بينما تبادل الشيوعيون قرع الكؤوس مع الفاشيين في فندق كارلتون بوسط العاصمة السلوفاكية براتسلافا، وعقد ستالين اتفاقية عدم الاعتداء مع هتلر، انتظر الجميع. يوقل شابوتينسكي: “لكننا لم نرغب في الانتظار، أردنا أن نتعلم زراعة الأشجار، وأن نخوض الحرب أيضًا، بدا كل من حذر من الكارثة مثل شابوتينسكي وكأنه نبي قادم من عالم آخر”. في مايو 1940 بدأت في الملعب الشتوي بمدينة براتسلافا واحدة من أروع القصص التي حدثت في تاريخ هذا البلد، رحلة بحرية لا مثيل لها، حجم الباخرة، والبحر، والواقع الأليم، كلها أمور يقاس عليها حلمهم، لم يكن هروبًا، رغم أنه كان زمن الهروب، بل سعيًا وراء الحلم، رفضوا الانتظار مكتوفي الأيدي، أرادوا أن يصنعوا أقدارهم بأنفسهم، آمنوا بحلم جميل، بأن يبدأوا الحياة في بلد لم يرها أيّ منهم من قبل، خططوا لرحلة تستغرق أربعة أسابيع، وفي النهاية استمرت لأربعة سنوات إلا بضعة أيام، كان حلمًا كبيرًا، لكن الواقع أكبر، أن يبحروا على متن باخرة نهرية لمسافة آلاف الكيلومترات في نهر الدانوب، وفي عرض البحر؟! لم يتراءى لأحد في هذا البلد من قبل حلم مماثل! حتى الأحلام هنا عادةً صغيرة.
قليلون هم من كتبوا عن الباخرة، وكانوا من ركابها، لا من بين من خططوا لها، ونفذوها. يضيف الأديب: “كان حلمي أن أحكي حلمهم، وتلك كانت أعظم ملحمة عن الحرية ظهرت عندنا، قصة عهد عبثي، تصادم الحلم مع الواقع، وصراعات الأجيال، وصورة أناس رائعة خططوا للرحلة، وحولوها إلى واقع، وساعدهم فيها كثيرون، إنها حكاية أناس بعزيمة لا تلين، حكاية عن كيف نصنع قيمة لحياتنا على هذا الكوكب، حدث على متن الباخرة كل ما يمكن أن يحدث بين البشر، لكن في حيز يشبه علبة سردين، حب، وكراهية، جمال، وقبح، لدى كل راكب من ركابها مشاكله الخاصة، بمن فيهم قائدها، حتى قائد سفينة نوح عانى مشاكل مماثلة، ولم يكن على سفينته خمسمائة راكب”.
نشبت نزاعات بين من خططوا للرحلة وبين ركابهم، صراع بين الأجيال، وبين الآراء المختلفة.
باخرة نهرية صغيرة من مقاطعة نائية تصبح بؤرة أحداث تاريخية، مغامرة الباخرة بينتشو تحدث منذ القدم، مغامرة تتجاوز الزمان، قصة تاريخية بعينها رغم أنها تحدث في كل زمان، حكاية من الواقع بحلوها ومرها، حكاية الأمس، واليوم، حكايتي وحكايتك.
مازالت السفن العامرة حتى اليوم تجوب البحار، من يدري أي منها ستصبح أسطورة؟ ربما ولا واحدة، وربما تدور الآن في إحداها حكاية مشابهة، حكاية ستصبح يومًا حديث الجميع.
سجل الحكاية وحفظها فريق ممن كانوا شركاء فاعلين في الرحلة، في مقدمتهم أليكسندر سيترون، الملقب وقتها بطالب الطب المفصول من جامعة براتسلافا، ربما يرى كثيرون كثيرًا من الأحداث مثار خلاف، منها: من هو العدو الذي ذهبوا لمحاربته؟ يمكن النظر إلى هذه القضية من منظور مغاير لما هو متوقع، كيف رأى الناس بداهة الأمور وطبائعها في ذلك الوقت؟ كان لديهم حلم، وسعوا إلى تحقيقه، وماذا عن أن الباخرة قد غرقت، ولم تبلغ هدفها؟ صارت رمزًا، فالقضية لا تتعلق بباخرة، بل بمن سافروا على متنها، وبالهدف الذي بلغوه، حتى لو متأخرين، وبعد التواءات ومنعطفات. يوقل ريهاك: “كان قائد البيتاريين السابق في سلوفاكيا مأزومًا لأسباب عدة، رغم هذا أراد أن يحكي قصته، كان على ثقة من أن قصة رحلتهم الطويلة ستحسب على القصص الكبرى، ومن أني يومًا ما سأرويها”.
حطام الباخرة الآن قابع في قاع البحر، لكنها لم تُنسَ، ولم تُنسَ الحكايات التي درات على متنها، حكايات حب، وميلاد، وأحاديث طويلة، قائظ، وأسنان منزوعة، وأرواح أنقذت، ضحك، وحزن، وحفلات راقصة، وألم، وقراءة كتب، حب، وتعلم، وجوع، ورقة، وعطش، وأشعار، ومايوه من قطعتين، وتسجيل يوميات، وفوق كل هذا أحلام يقظة راودت أصحابها في أماكن ضيقة، صغيرة بحجم علب السردين، سيقول أحدهم… ليست كل الأمور كما هي الواقع؟ نعم، هذا عمل سينمائي.

شارك

خالد البلتاجي

أكاديمي مصري ومترجم