رسالة حب بخط مسماري – مقتطف

إقرار شخصي أو سيرة ذاتية (سنوات التسعينيات)

السيد المحترم ملازم ثان:

ولدت في الرابع والعشرين من نوفمبر عام 1915، وتجاوزت الآن السبعين من عمري، وقبل أن أصل إلى النقطة التي سأتحدث فيها عن تعليمي، وأصلي، وعن أشياء أخرى دائمًا ما طلبتها مني الإدارات الحكومية أثناء حياتي في التشيك، أحب أن أتعرض لبعض الأمور الأساسية. كما تعرفون، فأنا مهندس معماري على المعاش، والتعبيرات الإنشائية لا تعني لي الكثير، والسبب الذي يدعوني إلى الكتابة هو التالي: أريد أن أطلب من إدارتكم أن تقوم بالتحري عن أنشطة السيد يانسكي، وأن تقدم لي الإدارة تقريرًا بهذا الخصوص. أنا على قناعة بأن كل إنسان يقترف إثمًا بتعذيبه إنسان آخر، بل جريمة، وهذا ينطبق على الإثم في كل مكان وزمان. لذلك أعتقد أن السيد يانسكي ارتكب إثمًا بتعذيبه لي. أود أن أؤكد لكم بصفة خاصة أني غير معني بتعذيبه جسديًّا، ولا بأن يقضي بعض الوقت في السجن. إن لم تخنّي الذاكرة ما زلت أذكر أن عيد مولده يناسب الثالث والعشرين من مارس، ما يعني أنه يكبرني ببضعة أشهر. بعد كل هذا العمر الذي قضيته لا يهمني الثأر ولا الانتقام، رغم ذلك فإن استقصاءكم للأمر يمثل لي أهمية كبيرة. أنا مهتم بالأمر من أجل زوجتي كفياتا. لست على ثقة مما تعرفونه أو لا تعرفونه، وكما نصحتني سيادتك أنت وزميلتكَ، سأحاول هنا والآن في هذه الأوراق أن أتحدث عن كل شيء وأصفه من أجل أن تتمكنوا من الشروع في عملكم، أو فتح تحقيق؛ كما تطلقون عليه.

السبب الذي دعاني إلى اللجوء إلى إدارتكم هو شخصي. أظن أن هذه هي آخر فرصة لي لدعم زواجنا. لا أعرف ما لديكم من مستندات، لكن الحقيقة هي أن قدري وقدر زوجتي كان، وأخشى أنه ما زال، مرتبطًا بصورة أو بأخرى بمصير، أو بتعبير آخر بحياة هيناك، أعني السيد يانسكي.

تعرفنا على هيناك في المدرسة الثانوية لدراسة العلوم الطبيعية، هناك تعارفنا ومنها استمرت صداقتنا. بعدها انصرفت إلى دراسة الهندسة المعمارية في الجامعة الفنية التشيكية، بينما ذهب هو لدراسة الحقوق في كلية الحقوق جامعة شارل. سافرنا مع أصدقائنا في رحلات، وترددنا على الحانات، وحفلات الموسيقى، ومباريات كرة القدم. يومها انضمت إلينا ونحن في طريقنا إلى أحد المرتفعات مجموعة صغيرة من الفتيات، وكانت كفياتا واحدة منهن. يمكنني القول إنها لم تعجبني كثيرًا من النظرة الأولى، ولم يعجبني اسمها، ولا قامتها، فقط صوتها كان جميلًا. رأيتها… امرأة سوقية وكذلك اسمها. لم أندهش عندما تأكدت في الخريف من أنها تحب زهور الداليا، فأيضًا لم أحب هذه الزهور كثيرًا. كنت شابًّا، يا سيدي الملازم ثان، كنت شابًّا وعلى قناعة بأن الحب معناه ألا أحب من الزهور غير الوردة أو الياقوتية، وألا أحب من أسماء النساء غير كاترينا، وماريا، وباربورا، أما كفياتا فلا، يا سيدي الملازم ثان، كفياتا لا! ثم تأكدت بمرور الوقت أن شيئًا ينقصني. نعم، تنقصني فتاة باسم طبيعي. بالطبع لم أعرف شيئًا، ولم أدرك شيئًا عن الحب. فقط شعرت بنقص، وحنين، ووحدة أكثر من ذي قبل. وكلما أخبرني أحدهم لاحقًا أنه رآها هنا أو هناك يتطاير قلبي فرحًا للحظات قبل أن يستعيد توازنه من جديد، وقتها كان ما زال قلبًا قويًّا مثل صخرة. اندهشت من نفسي بعدها، بدأت أغار عليها. بدأت أغار من كل من كانوا معها بينما أنا مضطر إلى الدراسة، من وقت لآخر. لم أشعر بما يسمونه توهج الحب، لم أشعر أني لا يمكنني العيش من دونها، لم أشعر بولع كوكب خاوٍ يجوب الأفق الفارغ. لم أشعر فعلًا بأي من هذا، لكن عندما طلبت يدها ظننت أنها ستوافق على الفور، لكنها طلبت أن أمنحها أسبوعًا للتفكير، فأصبت بالارتباك، وبدلًا من العودة إلى بيتي والذهاب في اليوم التالي لحضور بعض المحاضرات، بقيت يومين أجوب شوارع المدينة، وفي اليوم الثالث غشيني النوم بعد الظهيرة فوق دكة في شارع لاتنا. شعرت برغبة في أن أتحدث مع أحد في الأمر، مع هيناك مثلًا، لكني شعرت بأنه معجب بها أيضًا، فالتزمت الصمت. التقينا بعد عدة أيام، وسألتها بلهفة عن قراراها، قالت: موافقة! لم تكن مضطرة إلى أن تقول أي شيء آخر،  فضحها صوتها قبل أن تنطقها. سألتها قبل مولد ابنتنا ألِيس: لماذا أردتِ أسبوعًا للتفكير؟ أجابتني بأني كنت أتصرف بتعالٍ. “أنا، أتعالى على الناس؟”، سألتها. قالت: “نعم، تتعالى على الناس”. كيف؟ ما الذي فعلته؟ قالت: أخذت الأمر وكأنه بديهي. قلت: “بالنسبة لي لم يكن هناك حل آخر. لم أر حلًّا آخر. وهل كان عندكِ حل آخر؟، قالت: “في الواقع لم يكن عندي”، لكني أردت أن أنهركَ قليلًا، فقد كنت متيمة بك إلى درجة كبيرة، لكنك لم تنتبه. قلت: لكني طلبت يدك. قالت: هذا صحيح، لكن متأخرًا، بعدما صار في مقدور أي أحد أن يفعلها، بينما كنت أصد الآخرين عني وأنا أنتظرك. قلت: وقتها فهمت أن هيناك يتجنبني، وعرفت السبب. ثم سألتها: وهيناك أيضًا، هيناك أيضًا؟، أجابت كفياتا: حوالي ثلاث مرات. وقتها في الواقع غضب مني فعلًا لبعض الوقت. لم أخبره أني أنتظرك، لكنه كان أكثر منك ذكاءً في تلك الأمور. ربما لهذا السبب اخترتكَ أنت” مقتطف من رواية – رسالة حب بخط مسماري. توماش زميشكال

شارك

خالد البلتاجي

أكاديمي مصري ومترجم