حكايات من سمهرم- عالم سحري على أرض الواقع

[…] جمعت أثناء تجوالي في سلطنة عمان مجموعة من الأساطير المحلية التي صِيغت بلغة بسيطة للغاية. هذا البلد الرائع البعيد، أبعد البلدان العربية، وأكثرها غموضًا، دائمًا ما أتذكره بأفخر أنواع بخور في العالم، وبزركشة ملابس أهله. روائح بلاد بعيدة، وتوابلها التي يجلبها اليوم إلينا “البحارة”، تمامًا كما كان يحدث في الماضي، من كل بلاد العالم – من زنجبار، ومن القرن الإفريقي، ومن بلاد فارس، ومن الهند على وجه الخصوص. أثرت في بصورة واضحة مدنها الساحرة، نزوى وبهلاء. تعرفت شخصيًّا على هاتين المدينتين، وعلمت أنهما بفضل الطقوس السحرية التي يمارسها أهلهما كانتا مصدر رعب لبعض العرب، ومازالتا حتى اليوم.

قررت بعد بإلهام من عُمان أن أركن إلى بعض أساطيرها، ألفها بلباس وردي عَطر انطلاقًا من رؤيتي الشخصية للمدينة. أطور الخط الرئيسي، وأكمل موضوعه حسب خبرتي بثقافة أهلها، ثم أزرعه في بيئة بكل عاداتها ومعطياتها الطبيعية. أستعين في حكايات أخرى بأشياء تميزها، أو برموز قومية، مثل البخور الشهيرة، أو بئر الماء، ثم أنسج من حولها قصتي الخاصة كي أدعم هذه الرموز العمانية.

في الخط الروائي يتناوب التاريخ والفنتازيا، السحر والغموض، التصوف الإسلامي والثقافات السامية القديمة. تدور الحكايات في أماكن محددة مازالت قائمة حتى اليوم، أو بقيت منها آثار، واكتشافات أثرية تدلل على وجودها يومًا. يتقاطع العصر الجاهلي مع إسلام العصور الوسطى. أحيانًا تطال الحكاية عصرنا الحديث. ألجأ أحيانًا إلى عنصر الأدب الشعبي العربي المعروف – الحكي المختصر، ووجود الراوي الذي يحكي عن مصائر مختلف الشخصيات، ويصفهم بصفات محمودة. حكي يأخذ القارئ إلى عالم عجيب، عالم المعجزات والكائنات الخرافية. أزيد من غموض البلاد البعيدة بعنصر السحر الذي يلعب دورًا كبيرًا فيها. أنهي كل حكاية بمقطع قصير يحمل عبرة أخلاقية أو نظرة صوفية لها علاقة وثيقة بالحدث، تدفع القارئ إلى التأمل.

كتبتُ غالبية الحكايات في مدينة دبي، حيث شعرت بعوز شديد في البعد الإنساني في تقاليد المجتمع العربي الغارق في النمط الاستهلاكي. التقاليد التي تظهر جليًّا في عمان.

تلك كانت ذكرى “مُعَمّنَة” للقاهرة، حيث عايشت شخصيًّا مظاهر اجتماعية ثقافية على الطريقة العربية في صورتها الواسعة العميقة.

كتبت الحكايات في البداية حصريًّا للقارئ السلوفاكي الذي لا يعرف شيئًا عن شخصياتها باستثناء ملكة سبأ، وسندباد. رغم هذا فأجواء الكتاب تعطيهم انطباعًا عن الشرق، وعن السحر القابع ربما في خيال كل من لم يقدر على رؤيته شخصيًّا في صورة الحالية، أو ربما لم ير منه سوى صورة رومانسية عن هذا العالم.

بعد صدور هذا الكتاب في نوفمبر عام 2010 أعددت منه خمس حكايات للإذاعة، أعادت بثها كحكايات للأطفال. ترجم الكتاب أيضًا إلى الإنجليزية، وهو متاح بصيغة إليكترونية. رسومات الكتاب التوضيحية الرائعة بريشة الرسام السلوفاكي الشهير دافيد أورسيني.

عمان تسكن أفكاري وعالمي كواحدة من أكثر بلدان العالم غموضًا. لذلك زرتها أكثر من مرة، ويسعدني أن أعاود الزيارة مرات ومرات لأكتشف مزيدًا من أسرارها.

نزوى بالنسبة لي هي عمان. إنها المدينة المسحورة التي تتحقق فيها الأمنيات وسط دخان البخور بعد استيفاء شرط بعينه. الترقب ورائحة البخور يلهبان الحواس. لهذا أدعوكم إلى عالم سحري موجود على أرض الواقع.

أميرة خضير

شارك

خالد البلتاجي

أكاديمي مصري ومترجم