خدمت ملك انجلترا

اسمعوا واعوا ما سأقصه الآن عليكم

هكذا يبدأ بوهوميل هرابال رواية “خدمت ملك إنجلترا”، رائعته التي كتبها في مطلع سبعينات القرن العشرين، ومنعت من النشر حتى سقوط الشيوعية في التشيك عام 1989. رواية يتضافر فيها خيال الأديب مع أحداث تاريخية حقيقية. رواية مفعمة بالتناقضات والسذاجة، والعبثية، والسخرية والدموع. مواقف متناقضة لا تُصدق. بدايات تقليدية لكل فصول الرواية الخمسة، أو لنقل القصص الخمس التي تشكل الرواية، ونهايات جذابة مدهشة.

كانت المشاهد الجنسية الصارخة من أسباب المنع الرئيسية عند ظهور الرواية عام 1971، لكنها لم تكن بكل تأكيد متسقة مع الأيديلوجية الشيوعية وقتها. يسخر هرابال في الرواية من كل الأنظمة المستبدة، لا يرى التشيكي بمرآة وردية، ويرفض رؤية الأحداث من وجهين لا ثالث لهما، وخاصة أحداث الحرب العالمية الثانية وما نتج عنها.

خمسة فصول بدأها الأديب بعبارة “اسمعوا واعوا ما سأقصه الآن عليكم” وينهيها بعبارة ” هل اكتفيتم؟ هذا كل ما لدي اليوم”. كتب الرواية في مقطع واحد، وبجمل طويلة مركبة. طريقة هرابال المعهودة القائمة على انفراط السرد، وتيار حديث لا ينقطع كما عرفناه من كتابات سبقت هذه الرواية، منها على سبيل المثال “دروس في الرقص .التي صدرت مؤخرًا نسختها العربية بالقاهرة.  تتبدل لغة الراوي حسب حالته النفسية: محاولات ساذجة في ارتقاء درجات السلم الاجتماعي تترك أثرها في لغة البطل الراوي الذي يحاول انتقاء الكلمات وتهذيبها، فتختلط الكلمات الدارجة بالفصحى. والأجنبية بالتشيكية.

النص مليء بمواقف عبثية ولحظات مضحكة. هربال يدهش قراءه من خلال صراحته وخاصة فيما يتعلق بالصور الجنسية والشخصيات التي تعبر عن نفسها صراحة، ودون مواربة.

الراوي والبطل الرئيسي للرواية يلقب باسم ديتيا، ومعناه “طفل” بالتشيكية. يستدعي اسمه في أنفسنا شعورًا بالسذاجة، ومجازًا يخبرنا أن الرواية تحكى من زاوية صريحة وبسيطة كما يراها طفل. يظل ديتيا مطاردًا طيلة حياته من شعور بالدونية نتيجة قصر قامته، يحاول أن يباري وجهاء المدينة في جاههم ومالهم. يحالفه نجم سعده ويدفعه إلى الأمام إلى مجد ينشده، وثراء طالما حلم به، وحب امرأة جميلة، لكن كل هذا يأتيه في اللحظة الخاطئة. لم يشعر يومًا بأنه سعيد، دائم السعي، وما أن يبلغ هدفه يتأكد أنه مبتغاه لا قيمة له، لا يرضيه. بل العكس، كلما علا وارتفع ازداد تجاهل المجتمع له. يراه إنسانًا انتهازيًّا، يغتنم المواقف، ويقف في صف القوي. التحول الكبير في حياته يبدأ عندما يقع في حب فتاة قادمة من أقلية ألمانية يكرها التشيك. ظن ديتيا أن حياته معها ستبدأ من جديد، وسيحقق معها المكانة التي ينشدها. ينهي تجواله في الحياة مقهورًا، منبوذًا، وحيدًا على حافة المجتمع، معزولًا عن العالم الذي طالما أحبه، ينهي تجواله في عالم أصدقاؤه الوحيدون فيه هم الحيوانات. لا يسعى فيه إلى أن يضارع أحدًا، بل يبحث عن نفسه التي ضاعت منه وافتقدها.

من المؤكد أن مشاعرًا سلبية ستنتاب القارئ في البداية ضد بطل الرواية ديتيا. وربما سينفر منه البعض لحرصه الشديد على أن يصبح رجلًا ثريًّا ومرموقًا في المجتمع بأي ثمن، حتى لو تنازل عن شرفه وهويته. لكن ما أن نغوص في أعماق الرواية نتأكد أن ديتيا إنسان فشل في حياته. حاول أن يسير ضد طبيعته، فجاءت كل محاولاته بنتائج كارثية. حالفه القدر وحقق له كل ما تمناه، لكنه سرعان ما يتبدد. لا يمكننا في نهاية الرواية إلا أن نتعاطف مع إنسان لم يقدر يومًا على أن يكون سعيدًا، ونتفهم كل سقطاته. ديتيا ليس البطل بسماته القوية الواضحة المعروفة، بل هو بالأحرى تجسيد لمواقف ومشاعر.

رواية “خدمت ملك إنجلترا” هي شكل من أشكال الرواية التاريخية. صنف فرعي منها يتتبع نمو شخصية البطل، يحيل هربال من خلالها إلى كتابات أدباء مثل جوته، وتوماس مان، وجونتر جراس وغيرهم. تنعكس في قصة حياة البطل لحظات حاسمة في تاريخ وسط أوربا في القرن العشرين. يحيكها الراوي على طريقة الأديب المعروفة. طريقة الرغاءين.

ربما أن تجارب الأديب الشخصية كانت ضمن مصادر استلهام قصص الرواية، وخاصة تجاربه في الفنادق والمطاعم الفخمة، وحكايات رئيس السعاة في فندق “مودرا هفايزدا” في مدينة ستِسكا بوسط بوهيميا والذي مازال موجودًا حتى اليوم. كثير من شخوص الرواية كانوا أناسًا حقيقة من ضمن معارفه، وأسعدهم أن يحكوا له تجاربهم.

يؤكد بوهوميل هرابال في نهاية الرواية أنه كتبها “تحت تأثير “الذاكرة الكاذبة” لسلفادور دالي، ونظرية فرويد عن “الشعور المكبوت الذي يجد له في الحديث مُتنفسًا”.  هذا دليل واضح على تأثره بالسريالية، ونظرية فرويد التي تعنى بقضية الدافع.

بوهوميل هرابال (1914- 1997)، أديب تشيكي، وأحد أفضل ممثلي الأدب التشيكي في القرن العشرين، وأكثرهم ترجمة إلى اللغات الأجنبية. درس في كلية الحقوق بجامعة تشالز بمدينة براغ، كما تردد على محاضرات في تاريخ الأدب والفن والفلسفة، أنهي دراسته الجامعية عام 1946. عمل إبان الحرب العالمية الثانية كعامل ومحصل بهيئة السكة الحديد، كما اشتغل في مهنة ساعي بريد ومندوب مبيعات، تعرض أثناء عمله كمتطوع في شركة للحديد والصلب لحادث جعله يعمل في أحد مصانع تعبئة المواد الخام، ثم عامل في المسرح.

بدء نشاطه الأدبي عام 1963، وأصبح في عام 1965 عضوًا في اتحاد الكتاب التشيكوسلوفاك، وعضوًا في رئاسة تحرير جريدة الشعب. منع من الكتابة بعد ربيع براغ. بدا بعدها ينشر أعماله في دور نشر سرية أو أجنبية، عاود الكتابة بصور رسمية منذ عام 1975. تحولت كثير من كتباته إلى أعمال سينمائية، وحصل على العديد من جوائز النشر، أعتبر خليفة فرانز كافكا في الأدب التشيكي، خاصة بعد روايته “عزلة صاخبة للغاية”. توفي عام 1997 بعد سقوطه من نافذة حجرته بالطابق الخامس بالمستشفى التي كان يعالج فيها بمدينة براغ، ودفن في نفس المقبرة التي دفنت فيها أمه، وزوجها، وعمه “بيبين”، وزوجته “بيبسي”، وأخيه “سلافِك”، وضعوه في نعش من خشب البلوط، وكتبوا عليه، حسب وصيته، “مصنع بولنا للبيرة”. من أهم أعماله: “حديث الناس – 1956″، “قنبرة فوق الحبل – 1959″، “لؤلؤة في القاع – مجموعة قصصية 1963″، “الرغائون – مجموعة قصصية 1964″، “دروس في الرقص للكبار والمسنين – 1964″، “قطارات تحت حراسة مشددة – 1965″، “إعلان عن بيع بيت لا أريد العيش فيه – 1965″، “وحدة صاخبة للغاية -1989″، نهاية سعيدة – 1993″، “الهمجي الرقيق – 1981″، وغيرها.

 

شارك

خالد البلتاجي

أكاديمي مصري ومترجم