المجد للحرية – اللعنة على الحرب

لكنَّ شياطين البشر أرادوا كروتًا حية للعبتهم، مكابس حية لغسيل ملابسهم القذرة، تحكموا في القوانين، والدين، والنظام الاجتماعي، وراحوا يغتصبون الناس باسمها.

أربعة أعوام ونصف العام وهو يضرب هذا الشعب بترهات مهلهلة في جبهات القتال في أرجاء العالم، يوجه طاقته إلى عمل عقيم، يسيره للتدمير، والشيطان يضحك بملء شدقيه، كل من حاول -في كل حركة- أن يطلق الحياة من صدور صماء، كل من امتدح جمال الحياة بكل كلمة من كلماته، كلهم قضوا أربعة أعوام ونصف العام يمارسون القتل، وبينما كانوا يسجلون تلك المأساة العالمية بدمائهم فوق أرض استحقت أن تكون آمنة، ظهر مصاصو الدماء في أرض يقال إنهم حاربوا من أجلها، ظهرت حرب أخرى، أكثر رعبًا، حرب مع الجوع، مع وحوش بقدمين.

أربعة أعوام ونصف العام مضت قبل أن ينتبه الشعب إلى أنه دمية في أيادٍ شيطانية، استغلت أرواحهم في الحرب من أجل مصالح شخصية.

امتلأ وقتها الجسد السقيم بقوة لا توصف، وبدأت جبهات القتال تمتلئ بهم شيئًا فشيئًا.

تداعت الحمم البركانية الملتهبة الثائرة من خلف سدود نظام فولاذي، حطمت السدود، وراحت تغرق العالم، تشعل حريقًا جديدًا، حريقًا يأخذ شرعيته من كل نقطة دم تُسال، من كل دمعة، وكل صرخة ألم، قذارة أربعة أعوام ونصف العام، مسخ يتغذى على الدم والعنف هجم على البيوت بكل خيالاته المريضة التي كبرت في ليالٍ صماء كدرة، بكل شهواته العنيفة المتأججة، السكك الحديدية وغيرها من وسائل النقل، وكأن ذعرًا أصابها من ذلك الفيضان؛ تكدست فوق بعضها، وارتعدت تحت مقذوفات بركانية حية انهالت عليها لتوزعها في كل بقاع الكرة الأرضية، كانت تلك موجة هجرة جديدة للأمم، لبشر عائدين من حج دموي كريه، من رياضة نفسية مخيفة، إلى بيوتهم، إلى مأواهم الذي كان يومًا هادئًا كي يبدؤوا حياة جديدة، مشوا بملابس رثة، وجسد متيبِّس، ووجوه متهدمة، جوعى أرهقتهم الحرب حتى النخاع، تتطاير من أفواههم كلمات وردية عنترية لا تعرف الخوف، وأيادٍ تدربت على أن تدمر كل ما يقابلها؛ فدمرته، نوافذ القطارات تصلصل، وآبار المياه حول المحطات تئن، علت فوق أصوات الخراب تلك ضحكة إنسانية حادة من حلوق رجال استقر فيها بارود يابس، انطلقت القطارات ليلًا، وعلا صوت زئير يقطعه نعيق طويل، وصوت طلقات نارية، تساقطت الكلمات على ضواحي المدن والقرى مثل صفعات أكفّ، وتعالت الصرخات:

– “المجد للحرية!”.

– “اللعنة على الحرب!”.

كانت تلك الكلمات بمثابة صلوات، دين جديد لإنسان يسعى إلى أن يخلص نفسه من وحل سلطة تستغله، تساقطت من عشرات الأفواه، وتحولت إلى نشيد كبير، يردده صوت جعور، شهوة دم ثائر، نوافذ المصانع تصلصل، وستائر حديدية تتلاطم، وخزانات مرصوصة تتحطم تحت ضربات القراميد، عجَّت الشوارع بصفوف طويلة من بشر جائعة ضائعة بوجوه مكفهرة، شفاه معوجة تتمدد، وتصيح:

– “المجد للحرية!”.

– “اللعنة على الحرب!”.

تبدلت الأوضاع، كل من كانت لهم الحرب العالمية بكل شرورها حربًا مقدسة، كل من رأوا نصف العالم المدمر جاثيًا عند أقدامهم ولم يَعْبَؤوا، صاروا الآن يصرخون مذعورين:

– “رعاع!”.

– “وحشية”.

– “إنهم يدمرون النظام العام”.

– “اضربوهم بالنار!”.

بلغ التناقض الدموي منتهاه، على ما يبدو، بقايا الجيش التي استطاعت الحفاظ على النظام انقلبوا عليهم؛ كي يقتل الأخ أخاه، والابن أبيه، أو حتى الأب ابنه.

تحول كل شيء إلى فوضى عارمة، فوران هائل.

وقتها بدأ الجنود يظهرون في القرى، جاؤوا هاربين من الجبهة، يرتدون أزياءهم العسكرية، جاء بعضهم يحمل بندقيته، ظهروا في البداية بحذر، أثناء الليل، وسرعان ما أعلنوا عن أنفسهم بجرأة وفي جماعات، بدا بعضهم ثملًا، وعاد إلى بيته يزعق وكأنه أراد أن يعلن عن حريته، جاؤوا مثل حزمة ومضات مستعرة، ألقوا بأنفسهم في طوفان القرى المشتعلة بحيوية روح كسيحة: “الحرية!”، “الثورة!”،صاحوا وهم يحتضنون أهاليهم الذين لم يروهم منذ زمن، تحدثوا عن الآلام، وعن النيران، وعن الغضب، سيطرت الأوهام على الناس في القرى، ضربت على رؤوسهم تلك الكلمات الغريبة التي لم يسمعوا بها من قبل، والأحداث الغريبة التي لم يفهموها، أسكرتهم بدويها الحُرّ الواسع.

وراحوا يكررون: ‘الحرية!.. الحرية!’؛ انفتح أمامهم شيء جميل على غير العادة، عالم رائع، تمكنت منهم سعادة لانهائية، من أن أحبابهم يعودون وهم على قيد الحياة، وأن الحرب والفقر سيتوقفان، ظنوا أن كل ما كان سيتوقف في لحظة، وسيبدأ على الفور عصر جديد، مفعم بالسعادة والهناء.

لكن الجنود جلبوا معهم أخبارًا أخرى:

– “إنهم ينهبون الممتلكات ويضربون الأسياد”.

نبَّه هذا أهل القرى أنهم –أيضًا- لديهم حساباتهم مع الأسياد لم يُصَفُّوها، انتبهوا إلى أن ما تحملوه على مدى أربعة أعوام ونصف وما تعرضوا له لا يمكنهم أن يتخيلوا أنفسهم ينسونه بكل بساطة، استحثتهم دماؤهم وأبدانهم، قالوا: ‘يجب معاقبة هؤلاء الكبار’، رددوا تلك العبارة وهم لا يعرفون على وجه التحديد ما المقصود بها، كانوا وهم يرددونها لا يرون أمام أعينهم أسيادًا، بل سلطة دفعتهم دون وجه حق إلى التحكم في أرزاقهم والاستيلاء عليها، عرفوا أنهم جسد البشرية وأساسها؛ كل ما عداهم مجرد مجموعة من المتطفلين، مؤسسة تستغل قواهم، مرض وفوضى قبيحة فوق الأرض.

صارت المدن أوكارًا للمجانين، ثقافة تحمل نظرياتهم المجردة التي لا علاقة لهم بها، ولا بمبادئ حياتهم، مظهرًا مريضًا من عقول كسيحة، كانت هناك الشمس والأرض، وهو كل ما احتاجوا لحياتهم، ما عدا ذلك مجرد عشب ضار، هراء.

كان لديهم دليلهم الكبير الدامغ على هذا: طوفان الدم البشري.

من كان السبب فيه، أو من المذنب؟ لماذا ثار البشر وتشنجوا على مدى أربع سنوات ونصف؟ ألم تكن تلك محاولة من رجل مجنون غرق في التفاهات؟ ألم يكن تدبير بشر فقدوا الاتصال مع الطبيعة وقوانينها؟

إنها كذلك…

نادى الفلاحون في القرى: “اقتلوا الكبار!”، نادى الشعب العامل، كان نداء الأرض، نداء الحياة التي يقول لسان حالها: “اقتلوا من لا نفع فيهم، اقتلوا الجنون، وعودوا إلى الحقيقة، إلى الحياة، إلى المعنى الحقيقي لكل شيء”.

وبدأ الفلاحون، الشعب العامل، يتحركون من أجل القضاء على العوالق، على الجنون.

“مقتطف من رواية السوط الحي – ميلو أوربان”

شارك

خالد البلتاجي

أكاديمي مصري ومترجم