أشكال الرواية العاطفية

بعد مرور ستة أعوام على صدور رواية “تاريخ الضوء”، آخر أعماله الأكثر نجاحًا، يقدم الأديب التشيكي الشاب يان نيامَتس أحدث رواياته تحت عنوان “أشكال الرواية العاطفية”، وهي رواية تجريبية تتأرجح بين فن الرواية والمقال. يصف فيها تجربة علاقة عاطفية دامت خمسة أعوام. قضى الأديب عامين في تسجيلها. في روايته السابقة “تاريخ الضوء – 2013” يصور الأديب حياة المصور الفوتوغرافي فرانتيشك درتيكول الذي عاش في النصف الأول من القرن العشرين في بلاد التشيك. حققت تلك الرواية نجاحًا كبيرًا لدى القراء والنقاد أيضًا، وحصلت على جائزة الاتحاد الأوربي في الأدب، وترجمت إلى عشرين لغة، بما فيها الإنجليزية والإسبانية والألمانية. تتميز روايته الجديدة “أخلاقيات الرواية العاطفية” التي صدرت الشهر الماضي (سبتمبر 2019) بصراحتها ووضوحها، وبإخراج فني مميز. يقول الأديب عن الرواية: “أتحدث في هذه الرواية عن نفسي، عن إنسان عاش تجربة عاطفية، وأمورًا أخرى تستحق أن أتحدث عنها”. ثم يضيف: “كان من الضروري أن أنطلق في البداية من حياتي الخاصة. من أحداث كنت جزءًا منها، شعرت بحاجة إلى أن أفصح عنها”. والنتيجة نص يقف على حدود فن المقالة والرواية، تجربة حاول بها الأديب أن يفعل شيئًا، أن يتنبأ بما هو قادم. رواية مباشرة، تجيب دون مواربة وبلغة رصينة عن سؤال: لماذا يربط الإنسان مصيره بمصير إنسان آخر، وما الذي يحبه فيه، ولماذا رغم ذلك يهجره؟

“يؤمن كثير من مثقفي اليوم بالسخرية والتهكم على طريقتهم الخاصة بعد أن أُفرغت كلمات مثل الجمال والحب والحقيقة من معناها منذ وقت بعيد. غير أن السخرية لا يمكنها أن تقود إلى أي معرفة، بل غالبًا ما تخيب ظن الإنسان. حاولت أن أسير في الاتجاه المعاكس، أسير في طريق يسخره منه البعض. يحتوي العمل على كثير من المشاعر، والدموع، وبعض النبوءات”.

 

مقتطف:

أرى أن كتابة رواية عاطفية اليوم وكأنك تحيك فسيفساء على قطعة نسيج: أحب الحياكة والتشكيل، لكني غير واثق من ماهية هذا النسيج، رغم ذلك جربتها. أشعر مع كل جملة أن شكوكًا تراودني، وبأني قد صنعت نسيج حياتي حسب قصص غرام الآخرين، والأسوأ من هذا، حسب الأغاني والاعلانات، حسب الأفلام والمسلسلات، حسب “بوستات” الفيسبوك التي تكتبونها. لماذا تحمل عناوين الفصول الكثيرة أسماء أعمال أدبية أخرى؟ ورغم ذلك انخرطت في هذا العمل المريب. على أن تكون الكلمة الختام هي التقدمة، في ظل الصراع المتواصل بين التعبير عن الذات والنقد الذاتي، تمامًا مثل كتاب النبوءات الصيني “كتاب التحولات” حيث لا ينم آخر أجزاءه عن نهايته، بل عن ما قبل النهاية. أن تكتب اليوم رواية عاطفية معناه أن تتعهد بالأصالة، تقسم عليها بأصابع معقودة مشدودة، أن تنقذ طفلًا من حوض استحمام أراقه احدهم. يتأكد لدينا مرات ومرات أن الحب والجمال والحقيقة قد أفرغوا من معانيهم، فصارت كلمات فاسدة، تفرقت بها السبل، وتبعثرت في أرجاء العالم. توقف عقلاء النساء اليوم على التبرج، إلى هذا الحد وصلت أزمة مشروعية الرسمالية في صورها الأخيرة؟ يقول سيمون ويل إن الجمال ليس سوى شعور متعاظم بالحقيقة، ويتحدث ويليام بوروز في آخر يومياته وقبيل وفاته عن أن الحب هو أكثر الأدوية الطبيعية المقاومة للألم. أنا بالفعل أتبع مقولات هؤلاء القديسين المرضى أثناء الكتابة: أكتب عن أشياء حقيقية، ولأسباب مختلفة. ليس أمامي سوى أن أؤمن بأن ما أفعله ليس سذاجة البدايات، بل سذاجة تعود لاحقًا، بعد استفاذ الحجج، واستهلاك النقد. لكن دائما ما يبقى شيء، رغم تنازل الإنسان عن كل ما يقدر على التنازل عنه. فلا يقدر أحد على أن ينأى بنفسه دون أن يترك أثرًا. يليق هذا الأثر أن ينضم إلى جيش الخلاص، إلى الرياح، أو حتى النسور.

يان نيامَتس (1981) أديب تشيكي شاب، ولد في مدينة برنو، ودرس فيها، وحصل على درجة الماجستير في علم اللاهوت، والعلوم الاجتماعية بجامعة مساريك بنفس المدينة الواقعة شرق التشيك، كما حصل على نفس اللقب للمرة الثانية في الإخراج المسرحي بأكاديمية ياناتشك الموسيقية. كتب مجموعة شعرية بعنوان “الحياة الأولى- 2007″، ومن بعدها أصدر مجموعة قصصية بعنوان “لعبة الأيادِ الأربع – 2009″، تم تبعها في عام 2013 برواية عن المصور الفوتوغرافي فرانتيشك درتيكولا بعنوان “تاريخ الضوء” والتي حصد بها جائزة الاتحاد الأوربي لأفضل عمل أدبي. يعمل نيامَتس حاليًا رئيس تحرير مجلة هوست الأدبية الشهرية، وكاتب دراما في التلفزيون التشيكي

 

شارك

خالد البلتاجي

أكاديمي مصري ومترجم