أشكال الرواية العاطفية

بعد مرور ستة أعوام على صدور رواية “تاريخ الضوء”، آخر أعماله الأكثر نجاحًا، يقدم الأديب التشيكي الشاب يان نيامَتس أحدث رواياته تحت عنوان “أشكال الرواية العاطفية – 2019”، وهي تجربة روائية تتأرجح بين فن الرواية والمقال. يصف فيها تجربة علاقة عاطفية دامت خمسة أعوام. قضى الأديب عامين في تسجيلها. في روايته السابقة “تاريخ الضوء – 2013” يصور الأديب حياة المصور الفوتوغرافي فرانتيشك درتيكول الذي عاش في النصف الأول من القرن العشرين في بلاد التشيك. حققت تلك الرواية نجاحًا كبيرًا لدى القراء والنقاد أيضًا، وحصلت على جائزة الاتحاد الأوربي عن أفضل رواية أوروبية، وترجمت إلى أكثر من عشرين لغة، بما فيها الإنجليزية والإسبانية والألمانية.

ترقب القُرّاء بعد رواية “تاريخ الضوء” ما سيكتبه الأديب والروائي، وكاتب الدراما التشيكي نيامتس. وكان انتظارًا مستحقًا.

تتميز رواية “أشكال الرواية العاطفية” بصراحتها ووضوحها. يقول الأديب عن الرواية: “أتحدث في هذه الرواية عن نفسي، عن إنسان عاش تجربة عاطفية، وأمورًا أخرى تستحق أن أتحدث عنها”. ثم يضيف: “كان من الضروري أن أنطلق في البداية من حياتي الخاصة. من أحداث كنت جزءًا منها، شعرت بحاجة إلى أن أفصح عنها”. والنتيجة نص يقف على حدود فن المقالة والرواية، تجربة حاول بها الأديب أن يفعل شيئًا، أن يتنبأ بما هو قادم. رواية مباشرة، تجيب دون مواربة وبلغة رصينة عن سؤال: لماذا يربط الإنسان مصيره بمصير إنسان آخر، وما الذي يحبه فيه، ولماذا رغم هذا يهجره؟

“يؤمن كثير من مثقفي اليوم بالسخرية والتهكم على طريقتهم الخاصة بعد أن أُفرغت كلمات مثل الجمال والحب والحقيقة من معناها منذ وقت بعيد. غير أن السخرية لا يمكنها أن تقود إلى أي معرفة، بل غالبًا ما تخيب ظن الإنسان. حاولت أن أسير في الاتجاه المعاكس، أسير في طريق يسخره منه البعض. يحتوي العمل على كثير من المشاعر، والدموع، وبعض النبوءات”.

كما يشير العنوان يضع الأديب التشيكي يان نيامتس واحدة من العلاقات العاطفية تحت المجهر، علاقة يتابعها منذ نشأتها وحتى انهيارها، كذلك يضع عملية الكتابة نفسها تحت نفس المجهر. يلهو الأديب مع القارئ، وأحيانًا يلهو به. يبلغ اعتداده بنفسه أحيانًا حد الغرور.

“أشكال الرواية العاطفية” قصة عاطفية يرويها البطل من وجهة نظره، منذ التعارف واكتشاف الآخر، والإعجاب المتبادل، وتذوق حلاوة الحب، ومرورا بلحظات انكشاف مناطق الضعف والعيوب. لكنها لم تكن بالقدر الكبير حتى يبحث لها عن حلول، ثم الاغتراب التدريجي إلى أن تحدث الأزمة الحقيقية، الأزمة الكبرى، حيث لا يقدرا على البقاء معًا ولا عن الفراق، شهور تالية من موجات بعد وقرب لا تتوقف، وليست سوى مرحلة متقدمة من فراق قائم، إلى تبلغ الأزمة منتهاها… الحبكة الرئيسية في “أشكال الرواية العاطفية” ليست هي الحبكة التي تبنى عليها أي رواية، فما يحدث في آخر جملة – رغم انتظار القارئ بالفعل آخر جملة في العمل – لا يتجاوز مئات الصفحات السابقة، ولا يتعارض مع معها ولا يفسرها. الحبكة بسيطة، يرصدها القارئ ويحدد ملامحها، الصعود الهبوط في العلاقة العاطفية هو موضوع قديم، قِدَم الأدب نفسه. نيامتس يروي القصة على خلفية الحاضر، في بيئة يسكنها أناس يتحركون في فلك الأدب والكتب: إدارة التحرير، وقراءات الأدباء، ودراسة الدكتوراة، والعمل بالجامعة، وورش الكتابة الإبداعية، مقاهي وحانات، وإقامات أدباء، وجوائز. الأديب واضح في حكايته رغم الدفقة المعرفية الكثيفة في عالم الرواية الخرافي –كثير من هذا العالم الذي يعيش فيه هو نفسه ساقه إلينا نيامتس.

ساعدته في هذا شخصيته الروائية الإبداعية. الكينونة الأولى وليست الوحيدة التي يلفت نيامتس الأنظار من عنوان الرواية: يبحث الأديب في أشكال حكاية عاطفية كتجربة إنسانية، وأشكال الرواية العاطفية كصنف أدبي. إن كان موضوع الرواية الأساسي يتعلق – كما يتضح من القراءة بلا جدال – بعلاقة عاطفية، فإن موضوعها الثاني هي الكتابة نفسها. في الحالة الأولى لدينا حكاية عن أشكال السيرة الذاتية. البطل يتحدث بضمير المتحدث، يحمل اسم الأديب نفسه. تحدث في حياته أمور تتفق مع سيرة الأديب الشخصية. في البداية يثير الأديب سخطنا نوعا ما لتقمصه دور المثقف الناجح، والأديب المتعلم، والجنتلمان الذي يعرف كيف يحصل على أفضل الأشياء في حياته، لديه إجابة حكيمة وعميقة عن كل سؤال، يعرف الجميع، ويعرفه الجميع. يذكر أسماء حقيقية على قيد الحياة وهو يتحدث عن الحياة في الوسط الأدبي. يمكننا اعتبار هذا العمل سخرية ذاتية، وتهكم، لكنها ليست سخرية بالمفهوم البلاغي، بل الرومانسي، طريقة جمالية تستحضر الأدب نفسه في عمل أدبي، خطواته وشروطه. ولو طبقنا هذا على الأديب نفسه فسنجد أن ما يكتبه يعنيه بكل جدية.

الحالة الثانية تتعلق بنفسية البطل بصفته موضوع الكتابة، فالأديب يعلق على ما يكتبه، يتأمله، ويسجل فيه مشاعره، وأيضًا بصفته طرف في علاقة عاطفية متأزمة. ثم يأتي دور العواطف: الغرام، السعادة من الحياة المشتركة، ثم الألم واليأس، والخجل، وعودة بالأفكار لمناقشة ما حدث ولماذا حدث، وكيف حدث. محاولات عبثية للتحليل العقلاني، واللوم وتوبيخ الذات، شعور بأن الإله هيفيستوس يقرع قلبه بمطرقة. يضعه بين ضفتي كتاب. كل هذا يصفه الأديب ببساطة اليوميات وبصراحة واضحة، يعلن من خلالها أن للكتابة وظيفة علاجية، أو ربما هي وظيفتها الأساسية، أضف إلى هذا الاستبطان استدعاءه للقارئ ليشاركه الكتابة. صحيح أن ادعاء الحكمة على نحو مبالغ فيه يصيب القارئ بالنفور أحيانًا، لكنه لا يتخطى أبدًا حدود المعقول، ولا يصل إلى درجة اللغو. إنها رواية ما بعد الحداثة بكل معانيها، تشكيلات معقدة مشحونة بالجماليات.

مقتطف:

أرى أن كتابة رواية عاطفية اليوم وكأنك تحيك فسيفساء على قطعة نسيج: أحب الحياكة والتشكيل، لكني غير واثق من ماهية هذا النسيج، رغم ذلك جربتها. أشعر مع كل جملة أن شكوكًا تراودني، وبأني قد صنعت نسيج حياتي حسب قصص غرام الآخرين، والأسوأ من هذا، حسب الأغاني والاعلانات، حسب الأفلام والمسلسلات، حسب “بوستات” الفيسبوك التي تكتبونها. لماذا تحمل عناوين الفصول الكثيرة أسماء أعمال أدبية أخرى؟ ورغم ذلك انخرطت في هذا العمل المريب. على أن تكون الكلمة الختام هي التقدمة، في ظل الصراع المتواصل بين التعبير عن الذات والنقد الذاتي، تمامًا مثل كتاب النبوءات الصيني “كتاب التحولات” حيث لا ينم آخر أجزاءه عن نهايته، بل عن ما قبل النهاية. أن تكتب اليوم رواية عاطفية معناه أن تتعهد بالأصالة، تقسم عليها بأصابع معقودة مشدودة، أن تنقذ طفلًا من حوض استحمام أراقه احدهم. يتأكد لدينا مرات ومرات أن الحب والجمال والحقيقة قد أفرغوا من معانيهم، فصارت كلمات فاسدة، تفرقت بها السبل، وتبعثرت في أرجاء العالم. توقف عقلاء النساء اليوم على التبرج، إلى هذا الحد وصلت أزمة مشروعية الرسمالية في صورها الأخيرة؟ يقول سيمون ويل إن الجمال ليس سوى شعور متعاظم بالحقيقة، ويتحدث ويليام بوروز في آخر يومياته وقبيل وفاته عن أن الحب هو أكثر الأدوية الطبيعية المقاومة للألم. أنا بالفعل أتبع مقولات هؤلاء القديسين المرضى أثناء الكتابة: أكتب عن أشياء حقيقية، ولأسباب مختلفة. ليس أمامي سوى أن أؤمن بأن ما أفعله ليس سذاجة البدايات، بل سذاجة تعود لاحقًا، بعد استفاذ الحجج، واستهلاك النقد. لكن دائما ما يبقى شيء، رغم تنازل الإنسان عن كل ما يقدر على التنازل عنه. فلا يقدر أحد على أن ينأى بنفسه دون أن يترك أثرًا. يليق هذا الأثر أن ينضم إلى جيش الخلاص، إلى الرياح، أو حتى النسور.

يان نيامَتس (1981) أديب تشيكي شاب، ولد في مدينة برنو، ودرس فيها، وحصل على درجة الماجستير في علم اللاهوت، والعلوم الاجتماعية بجامعة مساريك بنفس المدينة الواقعة شرق التشيك، كما حصل على نفس اللقب للمرة الثانية في الإخراج المسرحي بأكاديمية ياناتشك الموسيقية. كتب مجموعة شعرية بعنوان “الحياة الأولى- 2007″، ومن بعدها أصدر مجموعة قصصية بعنوان “لعبة الأيادِ الأربع – 2009″، تم تبعها في عام 2013 برواية عن المصور الفوتوغرافي فرانتيشك درتيكولا بعنوان “تاريخ الضوء” والتي حصد بها جائزة الاتحاد الأوربي لأفضل عمل أدبي. يعمل نيامَتس حاليًا رئيس تحرير مجلة هوست الأدبية الشهرية، وكاتب دراما في التلفزيون التشيكي

 

شارك

خالد البلتاجي

أكاديمي مصري ومترجم