رسالة حب بخط مسماري

“إنه بافلوف وتجاربه الشهيرة مع الكلاب. تجارب بسيطة موثقة وتنطبق على الجميع. نظرية الاستجابة الشرطية”.

هذا مقتطف من أهم مشاهد الرواية، وأكثرها تأثيرًا. “رسالة حب بخط مسماري” من الروايات التشيكية الأكثر مبيعًا وقت صدورها قبل اثنى عشر عامًا، وحصلت وقتها على جوائز أدبية رفيعة، من بينها جائزة الاتحاد الأوربي عن أفضل عمل روائي. الخط الروائي الرئيسي في هذا العمل تصنعه علاقة سادية ماسوشية بين كفياتا، زوجة البطل الرئيسي المهندس المعماري يوسف، وبين هيناك يانسكي، صديقهما السابق، وزميل الدراسة الذي حاول يومًا أن يحظى بـ كفياتا صديقة وزوجة له. صار هيناك المحقق الرئيسي في قضية يوسف بعد سجنه من قبل الشيوعيين بسبب دفاعه عن زميل له في وجه سلطة مستبدة. بدأت كفياتا تتردد على هيناك في البداية طلبًا للمساعدة في إطلاق سراح زوجها السجين. لكن سرعان ما بدأ هيناك يتحكم فيها، ويسيطر عليها. أوصلها إلى أن بدأت تضع الأصفاد في يديها وقدميها بنفسها كي تشعر بما يشعر به زوجها في السجن. ثم وصل الأمر إلى درجة الضرب المبرح الذي أثار غرائزها. “جذبها اهتمامه بها والألم الذي يسببه لجسدها ولروحها، حتى أنها كانت تتوانى عند باب البيت الذي يقيم به، من أجل أن تحصل على صفعات بعدد الدقائق التي تتأخرها. بدأت مع الوقت تحب هيناك، والألم الذي يسببه لها. توقفا بعد عدة أشهر عن التظاهر بأن هيناك يحاول مساعدة يوسف، وصارت علاقتهما قيدًا ربطهما معًا”. عندما سألته بعد عدة أشهر: كيف أوصلها إلى هذه الدرجة، أجابها بالمقتطف الذي يتصدر هذا التقديم. انتهت علاقة هيناك بـ كفياتا بعد خروج زوجها من سجن بقي فيه لعشر سنوات. ترصد الرواية حياة الزوجين منذ ذلك الوقت وحتى موتهما.

يمكننا النظر إلى هذا الخط الروائي الرئيسي من عدة زوايا، أو لنقل من الزاوية التاريخية ومن منظور علم الجنس. أول ما يتبادر للأذهان هو مدى ارتباط الحكاية بالواقع. الحقيقة أن أحداثًا مشابهة وقعت بالفعل إبان الحقبة الشيوعية في تشيكوسلوفاكيا السابقة، حسب ما جاء في شهادات بعض المؤرخين. تقول إحدى الدراسات التاريخية إن أحد أعضاء الأمن الوطني “ميروسلاف باكاندا” قد عوقب بالإقامة الجبرية لمدة ثمان وعشرين يومًا، وخصم خمسمئة كرونًا من راتبه الشهري كغرامة بسبب علاقاته الجنسية مع زوجات المساجين”. كما ظهرت حالات أقامت فيها زوجات المساجين علاقات جنسية مع رجال وشوا بأزواجهن. يرى البعض الآخر في المجتمع التشيكي أن رواية الأديب التشيكي توماش زميشكال “رسالة حب بخط مسامري” على أنها تجربة أدبية مبتذلة عن فترة الشيوعية، تصور عضو الأمن الوطني على أنه رجل سادي، يستغل زوجات ضحاياه”، وأن الرواية هي انعكاس لصورة الحقبة الشيوعية في عقول الناس اليوم، والتي تضع النظام السياسي والمجتمع في ثنائية الشر مقابل الخير.

من حق كل أديب بالطبع أن يكتب ما يحلو له، وما تجود به مخيلته. وهنا نؤكد ما قاله أرسطو إن الأديب لا يكتب فقط عن ما حدث، بل عن ما كان يمكن أن يحدث. في هذا الإطار يظن كثير من النقاد التشيك أن رواية توماش زميشكال ترسم صورة لحقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي اختراق النظام السياسي للحياة الخاصة، وتقييده لإرادة الناس، والتحكم في قرارات الفرد. يبرر النظام هذه الأفعال بأهداف سامية، وغايات عليا.

يرى علماء الجنس أن أحداث هذه الرواية يجوز أنها وقعت بالفعل، أو قابلة لأن تكون حقيقة. علاقة كفياتا بـ هيناك تشبه حالات كثير من السجناء الذين خضعوا لغسيل مخ، فأقاموا علاقة صداقة مع محققيهم، وصاروا يدينون لهم بالفضل والولاء. إنها متلازمة ستوكهولم، “مرض يصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو من أساء إليه بشكل من الأشكال، أو يظهر بعض علامات الولاء له مثل أن يتعاطف المُختَطَف مع المُختَطِف”. يقال إن كل منا “يحمل في أعماق أعماقه قدرًا من الميول الجنسية المنحرفة، مختفية طيلة حياته في عقله الباطن”، وأن حكاية كهذه محتملة الحدوث. كثير من الساديين يحلمون أن تأتيهم ضحيتهم راغبة في مشاركتهم انحرافاتهم.

“رسالة حب بخط مسماري” رواية مثيرة للدهشة. أعتبرها البعض حدثًا كبيرًا على الساحة الأدبية رغم تحفظات بعض النقاد عليها. تحكي تاريخ عائلة تعرضت لتعسف سلطة مستبدة. حكاية يعرفها كل من عايش فترة الحكم الشيوعي، حكاية عالقة في الضمير الجمعي ومسجلة في تاريخ مجتمعات شرق أوربا. مأساة أسرة غرقت وسط طوفان الحياة، وارتبطت حكايتها بأحداث تاريخية كبرى. ربما هذه هي الرسالة التي أرادها الأديب.

مقتطف من الرواية:

عزيزتي كفياتا،

تأكدت بعد فوات الأوان أني مازالت أحبكِ. لذلك وجب عليّ أن أقول لكِ: إني أحبكِ! حيائي وحماقتي التي أورثتني إياها الحياة، فضلًا عن الألم الذي تسببتِ لي فيه بعد معرفتي بعلاقتكِ القديمة بـ هيناك، جعلني كل هذا موجوعًا حزينًا. اختلط الوجع بشعوري بالإهانة. والنتيجة أني حاولت نسيانكِ، أن أمحو حبكِ من قلبي. لكني اكتشفت أني لا أقدر على هذا. يجب أيضًا أن أعترف أني لم أكن قادرًا عليه يومًا، رغم محاولتي المتكررة، وسعيي الدؤوب. حاولت في بداية هجراني لكِ أن أنساكِ. كرهتكِ، ولعنتكَ في اليوم الواحد مرات ومرات. لكن كراهيتي دائمًا ما اختلطت بحب لا ينفذ. حاولت في كل يوم وعلى مدار سنوات عديدة أن أنساكِ. رأيتك بعدها، وتأكدت مجددًا من أن كراهيتي لكِ قد فارقتني، وعلىّ أن أحاول استعادتها مرة أخرى. عشت لحظات مريرة، مفعمة باليأس، وبحلم لا يتحقق بأن أمحوكِ من حياتي إلى الأبد. ومع الوقت تحقق لي ما أردت. بعدها وبعد أن ظننت أني نجحت، وأنكِ تلاشيتِ من نفسي على الأقل، أخذت ألِيس تذكرني بكِ من جديد كلما كبرت، وبصوتها الذي يشبه صوتكِ أكثر فأكثر في كل يوم. ذات مرة وقبل سنوات، وقت أن كان سمعي مازال بخير، طلبت منها أن تسأل لي عن سعر منجلة حديد جديدة احتجتها لورشة لهوتكا. اتصلت بي بعد عدة أيام، فرفعت السماعة فسمعت صوتكِ. لم يقل الصوت “مرحبًا يا أبي، كما هي العادة، لكنه راح يعدد لي أسعار منتجات مختلفة، وبدلًا من صوتها سمعت صوتكِ من جديد. فأعدت السماعة وقلبي ينتفض، حتى ظننت أني سأموت في ذلك اليوم. فشل حلمي بأن أمحوكِ من عقلي وقلبي بقية حياتي. كلما حاولت واجتهدت في المحاولة اكتشف أن مرادي يتداعى مثل برج بابل؟ فشلت في تحقيقه، في الحفاظ على هذا البنيان الرهيب قائمًا، بنيان من ألواح صوان مصقولة صنعها الألم. استمر الأمر طويلًا حتى اكتشفت أن سبب فشلي ليس نقص في الكراهية، بل فيضان من حب لم أتوقف يومًا عن حمله لكِ في قلبي. من المؤكد، يا كفياتا، أن هذه الأمور ستبدو لكِ بديهية تمامًا. لكني لم أنتبه إليها. لم أهتم يومًا لا بمشاعري ولا بمشاعركِ بالقدر الذي تستحقه. هذا الإغفال المؤلم دفع كل منا ثمنه غاليًا. كل ما في يدي الآن هو أن أقول لكِ إني آسف، ونادم على ما حدث. لقد صرت عجوزًا أبلهًا، لم يبلغ به فهم مشاعره ومشاعركِ قدر حفنة من نمش يغطي كاحلكِ الأيمن. لابد أن اعترف لكِ أيضًا أني عندما تأكدت من أن انشغالي بكِ نابع من حب لا من كراهية، انتابني شعور المخترع أو المكتشف. حقيقة! أنا لا أبالغ! اعذريني على مقارباتي البلهاء، لكني شعرت كما شعر بطل طفولتي جيمس وات، عندما بدأت آلته البخارية الأولى في العمل بكامل طاقتها. لا أعرف كيف أصف الأمر بقدر أقل من الغباء، لكني لست شاعرًا، وأنا على ثقة من أن محاولتي تفسير لحبي لكِ لهي دليل على أن غبائي وخيلائي يتزايد مع تراكم سنوات عمري. حبي لكِ مازال حيًّا أبديًا، يقوي ويتعاظم. ليس غريبًا سحري وافتناني بعينيكِ!

يا أغلى ما في حياتي، أحاول الآن أن أتغلب على خيلائي، وافتخاري الزائف بنفسي الذي لا يليق به إلا أن يكون غرورًا. لقد صفحت عنكِ، سامحتكِ بعد محاولات كثيرة عقيمة. لم يكن الأمر سهلًا، بل في غاية الصعوبة. حطمت البناء الضخم، طوبة وراء طوبة. البناء الذي أعاق كل شيء، ووقف بيننا حائلًا بلا جدوى. عرفت شعورًا من المؤكد أن عمال هدم برج بابل المنقوص قد عرفوه. أفضى بي عملي الدؤوب إلى راحة. لا أود عقد مقارنة أخرى غبية وغامضة وخرقاء، لكني بالفعل شعرت في صدري برائحة ذوبان، وأريج بتلات نابتة. سأوفر عليكِ كل هذه المشاعر العقيمة التي التقيت بها في رحلتي. سأحدثكِ عنها لاحقًا، لو سمحتِ لي أن نلتقي من وقت لآخر على الأقل فلربما حالفنا الزمان، إن بقي لنا منه ولو قليل. ألتمس منكِ أن تغفري لي غروري وكبريائي. سامحيني على الألم الذي تسببت لكِ فيه. أرجوكِ سامحيني!

رغم أني على قناعة بأن الزمن مجرد معادلة فيزيائية، وعلى يقين بأن الثانية الواحدة لا تساوي سوى مقدار ثمانية آلاف جزء من دورة الشمس في اليوم الواحد، أعترف لكِ، يا كفياتا، أني حائر في أمري. حواسي لا تفك تضللني. تتشابك الأيام من حولي بلا انقطاع، مثل قطيع مهور هائبة. أخشى أيضًا من أني عاجز عن التعبير لكِ عن حب لا ينضب. في حياتي كلها لم أجتهد في عمل كما اجتهدت في التعبير لكِ عنه. فكرت أيضًا في شكل رسالة بلغة الحيثيين، وفي رموزها المسمارية. دعاني غروري إلى استدعاء ذكرى أول لقاءتنا، ذكرى أول لقاء. أعرف أنه هذا أمر لا يحتاج إلى شرح.

يوسف

توماش زميشكال (1966) أديب تشيكي، درس اللغة والأدب الإنجليزي في لندن. عمل محاضرًا في جامعة تشالز، إضافة إلى كونه مترجم. يعمل الآن مدرسًا للأدب الإنجليزي في المدراس الثانوية، وهو عضو نادي القلم، ويعيش في مدينة براج.
كتب القصة القصيرة قبل أن يلفت إليه الأنظار بروايته الأولى “رسالة حب بخط مسماري” والتي ترجمت إلى الإنجليزية والبولندية والهولندية والمجرية. حصلت عام 2009 على جائزة مجنيزيا ليترا، أرفع جائزة أدبية سنوية في التشيك، كما حصدت الرواية جائزة الاتحاد الأوربي في الأدب عام 2011.

شارك

خالد البلتاجي

أكاديمي مصري ومترجم