راقصة الخيل – حبة القرع العسلي

تثير أورشولا كوفاليك، كعادتها مع كل عمل جديد، قريحة النقاد واهتمام القراء، وذلك منذ ظهور أول أعمالها “الخائنات لا تضعن بيضًا – 2002″، ومرورًا بمجموعتها القصصية “عرض ترافستي – 2004″، ورواية “امرأة للبيع – 2008″، وانتهاءً بأعمالها المسرحية، مثل “يوم الأموات” وهي المسرحية التي كتبتها خصيصًا لممثلي “مسرح المشردين”، الذي أسسته وتديره إلي اليوم.

حصلت أورشولا برواية “راقصة الخيل” على جائزة أناسوفت ليتيرا، أرفع جائزة أدبية سلوفاكية عام 2014. يبدو أن الوسم النسوي لأعمالها قد منعها من بلوغ الجائزة قبل هذا العمل، أو ربما أن الصورة النمطية عن الكتابة النسوية قد تغيرت.

غير أن النغمة النسوية في “راقصة الخيل” خافتة إلى حد كبير، لا يعني هذا أن الأديبة قد غيرت من بنية نصوصها، لكن الطابع النسوي في هذه الرواية لا يتجاوز حدود البنية التقليدية لمثل هذه النصوص. ظهرت أصوات ومسارات روائية أخرى اجتماعية، وسياسية، وجنسية، وأسطورية. هذه الأصوات والمسارات تدعونا إلى القراءة والتأويل. تراجعت قضية تحطيم الصور النمطية في عالم الرجال والنساء إلى المركز الثاني، أو الثالث، أو ربما الأخير. الأمر بالطبع يتوقف على القارئ الذي يتعامل معه النص “برفق”، فلا يجبره على توجه بعينه. ربما تبدو كلمة “رفق” مُفَارِقة عند الحديث عن أورشولا كوفاليك. فالشراسة بما تعنيه الكلمة من قوة وعنف هي من المكونات الأساسية لكتابات كوفاليك، ولا يعتبر نص “راقصة الخيل” استثناء.

يتصدر المستوى الاجتماعي للحكاية باقي المستويات أو المسارات. تشير الرواية إلى واقع “مسرح المشردين” الذي تعمل به الأديبة. يمكننا أن نقرأ وبكل اطمئنان رواية “راقصة الخيل” على أنها حكاية البطلة كارولينا التي يجوز لنا وصفها بالمأساوية. نعرف من الرواية أنها نشأت في أسرة مع أم شابة، وجدة غير نمطية أخذ منها البلاشفة “الأوغاد” بعد الحرب العالمية الثانية حانة كانت لها. لم تنخرط كارولينا في عالم الروضة ولا المدرسة الابتدائية. ساءت أحوالهم المعيشية بعد وفاة جدتها المحبوبة، بعد أن ” أخذ سفلة جشعون منا شقتنا. رغم أنها كانت شقة صغيرة لنساء عجائز…”. البطلة الرئيسية فتاة متمردة، خارجة عن المألوف، وهي طبيعة بطلات أورشولا. فهي ليست رياضية بارعة، جسدها متيبس، وحركاتها خرقاء. لكنها تحمل في نفسها شيئًا خاصًا، مغايرًا، إنها حفيدة امرأة أهدتها قبل وفاتها سكينًا لأن ” كل امرأة في عائلتنا تحمل سكينًا. وأنتِ أيضًا ستحملين واحدًا… “.

جاء باقي الأبطال على نفس طبيعة كارولينا، غريبو الأطوار، متمردون، خارجون على الطبائع النمطية. فنشأت بينها وبينهم على الفور لغة مشتركة. شخصيات تذكرنا بتلك الشخصيات التي تمردت على كل الأنظمة، ولم تجد لنفسها مقرًا ولا مستقرًا لا قبل الثورة ولا بعدها (أعني هنا الثورة المخملية في تشيكوسلوفاكيا السابقة عام 1989 والتي أنهت الحقبة الشيوعية). ظلت هذه شخصيات متمردة، تعيش على هامش المجتمع، وتبحث لنفسها عن مكان خارجه.

نجحت الأديبة في “راقصة الخيل” في الجمع بين ما هو فني واجتماعي. تظهر كثيرًا محاولات إبراز القضايا الاجتماعية التي عادة ما تنتقل إلى هامش المعالجات الفنية. تطفر هذه القضايا أمام أعين القراء بصورة مبالغ فيها أحيانًا، خاصة عندما تميط اللثام عن الصور النمطية في العلاقة بين الرجل والمرأة، إلا أن الأساليب التي تبنتها كوفاليك لتحقيق هذا الهدف جاءت فعّالة، ومقبولة داخل الإطار الفني.

كوفاليك تتعامل مع المتناقضات. التجاذب بين الجمال والقبح. جاءت الخيالة والخيل، رمز الفخامة، متضافرة مع خلفيات البطلة الاجتماعية التعيسة، ومظهرها البائس، مستفزة بصورة غير منفره، وغير تقليدية. تصبح كارولينا، رغم كل شيء، راقصة خيل، فتاة قوية بجسد رياضي ممشوق. تبدأ علاقتها بالخيل وهي في المدرسة الابتدائية، عندما قررت في أسوأ أيام حياتها أن تهرب من البيت، وعلى طريقة الحكايات الخرافية تلتقي بفتاة تكبرها ببضعة أعوام، وتتعرف على الحصان سيسيل.

ركوب الخيل، والعناية بالحصان، وصداقتها بـ “رومانا” عناصر أضفت على النص جمالًا وبهاءً، اختفى بعد موت جدتها التي مثلت الشعاع البهي في حياة كارولينا، وأضاءت عالمها القاسي البذيء. منح موتيف الحصان النص لمحة سحرية قادمة من الماضي، يمده أيضًا بقوة وعزيمة. ففي لحظة بعينها يصير كل شيء ممكنًا. يظهر عالم آخر بديل، تصبح فيه كارولينا شخصية متوازنة نفسيًّا، مفعمة بالقوة، متمتعة بجسد لين مرن. حتى كدنا نقتنع بأن إحدى بطلات أورشولا كوفاليك قد حققت مبتغاها، ونالت نعيمها. لكن الواقع يتواصل، والدة كاروينا تواصل سقوطها نحو القاع بكل عزيمة، فتتولى كالولينا مقاليد أمورها بنفسها، وتضطر إلى الاهتمام بنفسها بكل عزيمة وهمة.

أسلوب الحكي موفق للغاية، يأتي من منظور طفلة عاشت أحداثًا لا تحتمل. حمل السرد نظرة إنسان بالغ عاقل، نظرة عقلانية على الواقع (مقاطع تقيم التغييرات الاجتماعية والسياسية، والعلاقة بين الصبية وأمها، الخ). أكد أيضًا على الفنتازيا في الحكاية. كذلك صنع الفصلان الأول والأخير إطارًا للحكاية. حيث تتحدث كارولينا بعد أن صارت عجوزًا تسعى إلى إنهاء حياتها – ثم مولدها إلى أن صارت خيالة – ليصنع تضادًا مقبولًا. جاء ما بين الكهولة والميلاد من سنوات مختصرًا للغاية. وكأنها سنوات خواء زائدة، فائضة، سنوات انتظار للحظة تقرر فيها إنها حياتها.

ظهور الأبطال من الرجال جاء في أضيق الحدود (لا أعرف شيئًا عن والدي. ربما أمي هي الأخرى لا تعرف من يكون. لم أر جدي. ولم يكن لي شقيق ولا خال. ببساطة لم يكن هناك وجود للرجال في أسرتنا. كانوا مجرد زوار). رغم ذلك ما تقدمه رواية “راقصة الخيل” ليس عالمًا نسويًّا، بل هو عالم المرأة، فقط عالم المرأة. صفات سلبية وإيجابية موزعة بين البطلات، وإن ظهرت هنا وهناك صفات سلبية اختص بها رجل فلن يكون السبب في كل المصائب، كما هو الحال في أعمالها السابقة. كل الشخصيات في “راقصة الخيل” تفتقد تدريجيًّا سحرها، وتفردها، ونفسها (كسرت المُحاربة الداخلية في نفس رومانا سهمها. ذابت الأم – المحظية الهندية – في كأس النبيذ، اختفت نظرة أربي السحرية التي تليق بكاهن مصري قديم”. كل هذا يحدث تحت تأثير البيئة المحيطة، وأحيانًا من دون سبب، وهو ما يؤثر سلبًا على النص. الدوافع التي تقف خلف تصرفات بعض الأبطال غير واضحة، حتى أن بعضها يحدث دون أي مبرر أو تأثير على تطور الأحداث أو الشخصيات. ربما يعود السبب إلى المساحة الصغيرة المخصصة للنص، كما حدث مع روايتها السابقة “امرأة للبيع“. ولا يمكن تبرير كل هذا بأن الراوي طفلة. كثير من الأسئلة وقليل من الإجابات. بعض مستويات النص غير مكتملة، أو بلغت نهايات منقوصة. تمامًا كما حدث مع شخصية صديق البطلة، الصبي أربي الذي ظهر ليخدم فكرة أن أبناء الطبقة الثرية يمكن أن ينتهي أمرهم على نحو مأساوي. أحيانًا نتوقع أن تتطور بعض الشخصيات الأخرى، وهو ما لم يحدث. نتوقع مثلًا أن ترى كارولينا بعدستها أكثر مما رأت، وتحكي، حسب طبيعتها، أكثر مما حكت. كذلك يبلغ عالمها الخيالي المنغلق عليها وعلى وحدتها مبلغًا لاحاجة إليه، عندما تقرر الفتاتان مساعدة الحصان سيسيل بإطعامه نبتة سامة “كي يحصل على حريته”، كي يتجنب إعدامه على يد صاحبه الهمجي. كما أن اللغة الشاعرية التي يتمتع بها النص مفعمة بتعبيرات مجازية مبتذلة وتكرار زائد أحيانًا.

“حل نوفمبر الوحشي محل الخريف الأليف. أتجمد من البرد على محطة الحافلة بعدما بدأت الحافلة تتأخر عن موعدها. أخبط بقدمي على الأرض، ويدفع الصقيع المخاط ليتدلى من أنفي. أسمع صوتًا غريبًا، وكأن زجاجًا قد انفجر بعد أن صبوا عليه كثيرًا من الماء الساخن. تلونت السماء بلون مشئوم. كان الانفجار بالفعل قويًّا. وكأن وترًا ضخمًا في السماء قد انفجر، أو أن النجوم تنتقل إلى كوكبة جديدة. أطلقت السحب المتخمة ثلوجها التي نزلت في البداية هادئة، ثم سرعان ما تزايدت وصارت أقوى. حبات ثلج قوية ترتطم بحدة بأرض متجمدة. بدأ الوقت يسرع من إيقاعه، وتحركت جموع البشر…”

لكن النص بالطبع يمتاز بمقاطع شاعرية رقيقة تجمع بين أشتات مؤتلفات، وصور ساخرة تراجيدية حزينة. مثلًا:

“تحولت راقصة الخيل إلى آنية فارغة. إلى حبة قرع عسلي. لو خبطها أحد على ظهرها لأصدرت صوتًا أجوفًا غريبًا. رأيت شروق الشمس آلاف المرات، وعشت ملايين الليالي. آكل، وأنام، وأقضي حاجتي. تقدم بي العمر، وكست وجهي التجاعيد”. كذلك وصف الموسيقى: “لم أكن أعرف اللغة الإنجليزية جيدًا، لكن صوت المرأة الذي انساب من سماعات الأذن بهرني. صوت حاد وحزين. يرافقه عزف على الكمان. صوت دغدغ جسدي، وحملني بعيدًا. سافرت في الزمن. إلى أن وجدت نفسي في قرن آخر. وفي مدينة أخرى. دق الناقوس. فوجدت نفسي أسير في شوارع في إحدى الموانئ، شوارع ضيقة تلمع. أسمع هدير البحر من بعيد. وصوت كورال فخم قادم من إحدى الكنائس، يحتفلون بشيء لا ينتمي للبشر. يرتدي الحاضرون معاطفًا طويلة، ويمسكون شموعًا مشتعلة في أيديهم. وخلف ظهري رجل يمتطي حصان يتحرك. أقدامه ترتطم بأرضية حجرية…”

لدى كارولينا قدرة ساحرة على رؤية الوجه الحقيقي لكل من تلقاه، يكفي أن تلقي عليه نظرة متخلفة، فترى فيه كائنًا آخر. مثل جدتها التي حملت في نفسها “امرأة من الهنود الحمر بعينين ناريتين”، كذلك رأت في مدرسة الفصل “راهبة…”. لكن تلك الكائنات تتغير بتأثير من البيئة المحيطة. الوحيد الذي لم تقدر كارولينا على رؤيته هو ذلك الكائن الساكن في نفسها. نقرأ بين السطور أنها هي الأخرى تتغير وتتبدل.

صدرت النسخة العربية من الرواية في القاهرة في دار نشر صفصافة.

شارك

خالد البلتاجي

أكاديمي مصري ومترجم