الهاوية – والتنقيب عن الذات

مكانة الأديبة التشيكية بيترا هولوفا لدى القراء ليست بالسهلة. فقد أثار أول أعمالها الأدبية “كل هذا ملكي أنا” موجة كبيرة من الإعجاب، وتصدرت قائمة المبيعات في حينها. ووعدت الشابة البالغة من العمر ثلاثة وعشرين عامًا وقتها، دون أن تدري، بميلاد أديبة تشيكية كبيرة، وصار كل عمل تالي لها يقارن بأول رواياتها، رغم ذلك لم تلق كل أعمالها نفس الاحتفاء الجماعي كما حدث في البداية. كما أن أسلوبها لا يتفق عليه القراء – البعض يأسره الأسلوب والبعض الآخر ينفر منه.

نفس الأمر لدى النقاد. بعضهم يثني على أعمالها بشكل واضح، والبعض الآخر لا ينفك يوجه إليها نقدًا لاذعًا. ربما حدة النقد هذه يفسرها ما قاله بعض الأدباء التشيك بأن “مراجعات الروايات المترجمة تخدم القارئ في المقام الأول، بينما مراجعات الإنتاج الأدبي التشيكي مُصوّبة ضد الأدباء”. بمعنى آخر، يتقبل النقاد التشيكي أدباءهم بنوع من التحفز، يتابعونهم بكل دقة، يحملونهم ما لا طاقة لهم به. ينتظرون منهم الكثير، يحملونهم المسؤولية عن جودة الأدب المحلي. ربما لوجهة النظر هذه أسبابها المنطقية. أحد هذه الأسباب أن دائرة الاختيار من بين الأدباء المحليين الذين يستحقون التقييم والتقديم ليست واسعة، بينما يسهل العثور وسط الأدب المترجم على كتب يمكن توجيه القراء إليها.

راهنت الأديبة التشيكية بيتر هولوفا في راويتها الثامنة على بطلة واحدة كما فعلت من قبل في رواية” ثلاث غرف بلاستيكية”، أو “التشيك، أرض الميعاد”. البطلة في هذا العمل امرأة في منتصف العمر، أديبة، تكتب الروايات الرومانسية التي تحسب على ما يسمى بـ”المكتبة الوردية”، وهي في الوقت نفسه أم لطفلين. لجأت إلى معاقرة الخمر كي تتأقلم مع عجزها عن الانخراط في الحياة. تخاطب البطلة قراء افتراضيين من شرفة بيتها، وتصرخ في المشاة، وفي أناس مجهولين. نتابع في هذا المونولوج مشاهدًا تتعلق بعالمها الحاضر، وشذرات من الماضي. حكايات من علاقاتها الأسرية وغير الأسرية. كما تصف أيضًا مواقف عبثية، يحار فيها القارئ، فلا يعرف إن كانت البطلة الثملة تتخيل ما تحكيه، أم أنها تعيشه واقعًا. الثوابت التي كثيرًا ما تعود إليها الراوية هي أودلاها التي تشعر بالذنب تجاههم لأنها لم تتحمل دور الأم، ولم تقدر على الجمع بين رعايتها لهم وبين طموحها الأدبي.

حدث رواية “الهاوية” صعب المنال، والبحث عنه كمن ينقب عن بترول في قاع المحيط، وبدلًا من الشوائب تظهر لآلئ لغوية وتصويرية، تناص فريد، وأقوال ساخرة لاذعة، ومناورات، وتصويب على الذات، بنيران صديقة.

أثارت رواية “الهاوية” ردود أفعال متباينة بين النقاد – اعتبرها البعض واحدة من أهم أعمال الأديبة التشيكية، ووضعوها جنبًا إلى جنب مع أشهر أعمالها، وهي روايتها الأولى “كل هذا ملكي أنا“. واعتبرها البعض الآخر “بالوعة أدبية”. أرادت بها هولوفا أن تكتب رواية قوية حول امرأة خسرت معركتها مع عثرات الحياة واختباراتها، لكنها أضعفت مقصدها وتأثيرها لدى القارئ بكتابة راوية مرتبكة، فبدلًا من أن تروي حكاية امرأة، صنعت عملًا يعبر عن عجزها عن الحكي، وصارت الرواية دليلًا مشوهًا وخطيرًا عن حياة فاشلة. أحيانا أخرى شبهوها بمرافعة في محكمة ملتهبة العواطف، أو اعترافات، دعاء بائس يطلب المغفرة من إله تخاطبه في أكثر من موضع، دون أن يؤكد النص على أنه نابع من رغبة حقيقية.

ربما تعلق الأمر بتذمر وشكوى غاضبة من ظروف سحقت البطلة، ولم تسمح لها بحياة هانئة (ضرورة رعاية الأطفال، الصراع سعيًا لنيل اعتراف الزوج بها، جينات الكراهية التي ورثتها عن أبيها الذي باع نفسه للنظام الشيوعي). وكأن البطلة قد عجزت على اتباع أي من تلك الاتجاهات، فتفتت الحكي تحت يديها – مثلما تفتت حياتها، وكل وجودها.

بيترا هولوفا تتمتع بالتأكيد بموهبة كبيرة. تجيد سرد الكلمات ورسم الصور، وعقد المقارنات بخفة وإبداع بحيث يضعها البعض جنبًا إلى جنب مع بوهوميل هرابال، والعظيم رامبو. فـ”الهاوية” هي أيضًا تيار شعري من كلمات تشكل نصًّا تلقائيًّا.  روابط مدهشة، وعبارات بارعة، ووصف رائع لمواقف اجتماعية وحالات نفسية. ربما تجذب هذه الرواية قارئًا يسعى إلى التعرف على صراعات وأفكار بيتر هولوفا من خلال رواية قريبة من السيرة الذاتية، حيث قالت هولوفا عن “الهاوية” إنها أكثر رواية تحمل الكثير من حياتها الشخصية.

أظن أن من يتابع أعمال بيترا هولوفا أو يهتم بنص تشيكي جيد من الأدب المعاصر فإن رواية “الهاوية” اختيار جيد وموفق. صدرت الرواية باللغة العربية في القاهرة في دار الكتب خان.

شارك

خالد البلتاجي

أكاديمي مصري ومترجم