قوة المستضعفين ومحاربة الخوف

وصية فاتسلاف هافل وضرورة الثورة الوجودية في القرن الواحد والعشرين

“لا يبدو في الواقع أن الديمقراطيات البرلمانية التقليدية قد قدمت أسلوبًا حاسمًا للتصدي “للحركة الذاتية” للحضارة التقنية والمجتمع الاستهلاكي الصناعي. بل هي معها في نفس القاطرة، تقف أمامها عاجزة. فالأسلوب الذي يتبعونه للتلاعب بالفرد أشد نعومة، وأكثر كياسة من الأسلوب القمعي لنظم ما بعد الشمولية”.

هذا المقتطف من دراسة فاتسلاف هافل “قوة المستضعفين” كثيرًا ما يستشهد به معارضو النظام، سواء عارضوا نظامًا كونيًّا عامًّا أو نظامًا سياسيًّا محليًّا، من أجل أن يضفوا سمات كارثية على فساد الإنسان المعاصر، ويعبروا بها عن الأزمة العميقة التي يصفها هافل نفسه بأنها ” الفشل الكلي للإنسان المعاصر”. يضاف إليها آراء عديد من الباحثين حول مبادئ جديدة وتصورات ساذجة حول أزمة المجتمع الحالي التي تتخذ أشكالًا متعددة مثل انهيار الأسواق المالية والتباين الاقتصادي المتزايد، وتفكك السياسة الديموقراطية وحتى الهجرة الجماعية أو الكوارث البيئية. الأزمة التي يرون الحل الأخلاقي مخرجها الوحيد.

لا يمكن أن نقرأ “قوة المستضعفين” كدراسة تحليلية نقدية للمجتمع أو كبرنامج تحرري، أو كدليل إلى حراك مجتمعي. ومن العبث تفسير العمل إنطلاقًا من أنماط فلسفية أو فكرية أو سياسية. فمن منا اليوم يهُمّه أن يعرف أن هافل كان يمينيًّا مدعومًا من الغرب، أو يدعم الغرب، أو يساريًا يحلم ببدائل للديموقراطية البرلمانية واقتصاد السوق؟ ما أهمية السجال حول القضايا البيئية التي تهم البشرية إن كانت من طبيعة المذهب المحافظ أم المذهب المثالي في السياسة؟ والفرق بين الواقعية السياسية والمثالية السياسية الذي يركن إليها اليوم السياسيون ومستشاروهم، ويتخذونها متكا ثقافيًّا تنويريًّا؟

نص “قوة المستضعفين” يتطلب قراءة مغايرة. ففي هذا النص ظهرت موهبة هافل الدرامية، وميله إلى عقد مفارقات مكنته من صياغة دعوة جسورة إلى ثورة وجودية، والعودة إلى فكرة الزعيم التشيكي جريجور مساريك الخالدة حول العمل الجيد الدؤوب.

يكمن سحر المفارقة الجدلية والأدبية أيضًا في التناقض والتعارض الذي لا يخلو من منطق. فالأديب المسرحي والمنشق والسياسي التشيكي فاتسلاف هافل قادر على أن يعبر عن خوفه على حرية البشر بكلمات أخذها من قاموس الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر، الذي لم يُعني يومًا – على أقل تقدير- بالمجتمع الديموقراطي، ولا بالحرية. المفارقة في الموضوع بالطبع هو موضوع المقالة التي يصف فيها هافِل “القوة” على أنها حال هؤلاء الذين انتهى بهم المطاف ضعفاء عاجزين، يعيشون على هامش المجتمع، إن لم يكونوا خارجه.

تقود المفارقات في المقال القارئ، وأحيانًا المفسرين إلى أفكار غير تقليدية حول “ضعف الأقوياء”، والقضية التي تجاورها بالضرورة، ألا وهي “قوة الأقوياء”، و”ضعف المستضعفين”. لكن لكي نفهم “قوة المستضعفين” بمعناها الحقيقي والمجازي أيضًا علينا أن نفهم قوة المفارقات التي بنى عليها هافِل نصه الدرامي، الذي يُعرّف من خلاله مفهوم الانشقاق على أنه ثورة وجودية في أي مجتمع، حتى في المجتمعات الديموقراطية المنفتحة.

إن فهم قوة هذه المفارقات والأضداد في الفكر والحضارة الحديثة يفتح الباب أمام إمكانية فهم الموقف الحالي في منطقة وسط أوربا، حيث مر أكثر من ربع قرن على سقوط حائط برلين، تحولت خلالها الديموقراطية المجتمعية إلى ما يسمى “دولة وطنية قائمة على العمل”، أو يراها السياسي البولندي ياروسلاف كازينسكي على أنها “إعادة هيكلة الدولة”، وبناء “الجمهورية الرابعة” التي ستنهي نظامًا لا أخلاقيًّا تأسس بعد عام 1989.

في نفس السياق تحدث الرئيس التشيكي الحالي ميلوش زيمان الذي احتفل بعيد الثورة وهو محاطًا بسياسيين شعبويين، ونشطاء متشددين. جاء خطابه في أوقات عيد الميلاد التي لم يذكرها بكلمة بصفتها مناسبة دينية، ولم يقل كلمة واحدة عن المسيح الذي صار بعد مولده هو الآخر لاجئًا سياسيًّا. أنهي زيمان حديثه بتلك الكلمات: “هذا البلد بلدنا. وهذا البلد ليس بلدًا للجميع، ولن يكون أبدًا”. بالطبع لا يقول أحد إن بلده يجب أن يكون للجميع، لكن منطق الرئيس يؤكد على أنهم ليسوا كغيرهم، ولذلك يمكنهم أن يتنكروا لهؤلاء الغير، وينكروا عليهم المساعدة الواجبة.

بدلا من الثورة الوجودية نجد أنفسنا شهودًا على ثورة مضادة في أوربا، تسعى إلى إعلاء السياسة فوق القرارات الوجودية المتعلقة بالحياة، حيث الرغبة في السلطة قوية بقوة الكراهية تجاه الإنسان الحديث بكل تصوراته عن الحقوق المدنية والحكومة الديموقراطية. تتلخص تصوراتهم حول الوطن في جعله مجتمع الأرض والدم، والميراث الثقافي بصفته سهمًا في وجه الدخيل، والدولة بصفتها شركة، والخدمات العامة بصفتها استثمار خاص، والعلم والتعليم بصفته فرع من أفرع الصناعة، تصورات ليست سوى أشكال أخرى من الكراهية.

بدلًا من الحرية يسيطر الخوف، وبدلًا من حوارات سياسية متحضرة صرنا شهودًا على أفكار صادحة مدوية تتمتع بشعبية وشعبوية كبيرة حول نهاية الحضارة التي ينضوي تحت لواءها أي شخص، بدءً من عمال النظافة، وحتى أساتذة الجامعات. المفارقة الأساسية في سياسة الخوف والتعبئة له، ومخاطر هذه السياسة وصفتها المنظرة السياسية والفيلسوفة الألمانية حنة أرنيت في كتابها الموسوعي بعنوان “أصول الشمولية”، حيث تقول: “إن ظهور الحكومات الشمولية ظاهرة قادمة من داخل الحضارة وليس دخيلة عليها. وتكمن خطورة الموقف في أن الحضارة الكونية التي تربطها علاقات متداخلة يمكنها أن تلد من رحمها همجًا.

ولكي نفهم أزمة مجتمعنا في الوقت الراهن التي ليست أزمة سياسية، أو اقتصادية فقط، دعونا نفكر في مفارقة الهمجية القادمة من رحم الحضارة. هذه المفارقة تؤكد الدعوة والحاجة إلى ثورة وجودية لا تقتصر على النظم السياسية. الثورة الوجودية يجب أن تسبق، حسب هافل، أي إصلاح مجتمعي، سواء كان إصلاحًا سياسيًّا أو أخلاقيًّا. ثورة تتلخص في معارضة حركة المجتمع الذاتية التي تعتمد على أجهزة حاضرة في مكان، وتقنيات تعزز من سلطة الأجهزة. إنها ثورة، وحسب كلمات هافل – تدافع عن الإنسان ومتطلبات الحياة الحقيقية ضد أغراض النظام.

صدرت النسخة العربية من العمل في دار نشر صفصافة بالقاهرة عام 2018.

شارك

خالد البلتاجي

أكاديمي مصري ومترجم