كل هذا ملكي أنا – أميره خان

إنها الرواية الأولى لـ “بيترا هولوفا“، طالبة اللغة المنغولية، والدراسات الثقافية بكلية الفلسفة جامعة شارل التي أثارت لدى النقاد والقراء ردود أفعال غالبيتها إيجابية. رواية ساحرة بلغتها السهلة البسيطة. يقبل عليها القارئ برغبة أزلية أبدية في سماع الحكايات، في الاتكاء على التقاليد، في تواصل الجنس البشري. رغبة في المعرفة الجمعية التي تختفي وسط إيقاع الحياة العصرية المهرولة. ربما لهذا السبب نجد كتب الأساطير، والخرافات، وحكايات الخيال، والسير، والبطولات في مختلف البلاد والثقافات تحتل الصدارة في توجهات القراء، وخاصة في أوربا المهرولة. ربما لهذا السبب أصاب السهم الذي صوبته الأديبة إلى رأس القارئ مرماه. فراح يبحث وسط سطور الرواية عن هذه السير والأساطير التي خفت صوتها وسط زعيق الحاضر.

من الصعب التوقف عند مقاطع بعينها لإظهار موهبة الأديبة الفذة. لكن جاءت بنية العمل على النحو التالي: أربع نساء منغوليات تسردن حكايتهن، واحدة تلو الأخرى. تتولى “دزايا” الحكي حتى منتصف الرواية “، وهي الجدة المقصودة في عنوان الرواية الأصلي. أما اسم الجدة “دولجورما” – فقد أطلقته على ابنتها، إحدى الراويات الأربع اللواتي يواصلن الحكي بمنولوجات قصيرة، تكملن باقي الرواية. تقدم كل منهن رؤيتها لمواقف ذكرتها “دزايا” من قبل، لكن من منظور آخرى، من زاوية مغايرة، تلحقن بها تفاصيل أخرى تكمل فكرة كانت تكونت من قبل، وأسفرت عن لحظات بعينها، أو صعدت من بعض الأحداث التي تكشفت فيها حقائق أخرى، بناء على رحلات أربعة أجيال لأربع نساء. وفي نهاية الرواية تلتقط “دزايا” خيوط الحكاية من جديد لتنهي هي أحداثها. تعود إلى الجبال بعد أن تقدم بها السن، إلى أسرة أختها الأصغر “أويونا” التي تتمسك بالتقاليد، وبأسلوب حياة أهل القرية التي خرجت منها “دزايا”، لكن الأخيرة رفضتها مع أقرباءٍ لها انتقلوا إلى المدينة التي تمثل الفوضى والدمار. تنهي الرواية بعبارة صارت هي عنوان النسخة الإنجليزية والعربية “كل هذا ملكي أنا

“أشعر كلما جلست أمام “اليورت” بأني أميرة خان. الرداء مفعم بهواء طيب الرائحة، ومنتفخ مثل فقاعة. هذه هي بلدتي التي أعرفها. البادية المقدسة، بتلالها التي تنتشر في كل مكان. وخلفها الجبال الوحيدة القادمة من العالم القديم. وخلف الجبال، وخلف عشرات الجبال المشابهة توجد مدينتنا الشامخة. ما العيب في شعري الأشيب، المتكسر؟ ما العيب في أن أي طفل صغير يسبقني؟ كل هذا ملكي أنا. مِلك “دزايا” ابنة محافظة “باشجان”.

أربعة أصوات رغم أن الصوت يبدوا واحدًا. كلمات النهاية التي جاءت على لسان البطلة تدور في المستوى الواقعي، وأحيانًا النفسي، رغم ذلك يغيب تخصيص الحكي براوٍ محدد. ينسال تيار السرد من أفواه الراويات قويًّا دون تمييز، غير مكترث بأعمار الراويات الأربع، ولا بأماكن تواجدهن أو ماذا يصنعن. الرواية تركز على عنصر الحركة، والأسفار وعلى التقاليد والحداثة. الحكي لا يخلو أحيانًا من رتابة رغم مهارة الأديبة في الوصف وتمكنها في اللغة. لا يبدو من الرواية المخاطب الذي تتوجه إليه البطلات. اختارت الأديبة المستوى الأدنى من اللغة الفصحى مطعمًا بكلمات منغولية، بعضها يسهل تفسيره وأخرى استغلقت وتطلبت شروح في هوامش الترجمة في النسخة العربية. بالطبع ليس شرطًا أن تكون كل عبارة ترد في النص الأدبي واضحة تمامًا. فمن منا يعرف كل ألفاظ لغته الأم ولهجاتها؟

هولوفا لا تسعى إلى العمق، ولا إلى المقارنات الفلسفية. لغة الرواية بسيطة، وشاعرية، ومفعمة بالرقة. لذلك اشتهاها القارئ التشيكي، وأقبل عليها فوجدها قريبة منه. تقدم الأديبة من زاوية أربعة نساء نظرة مكتملة على واقع المجتمع المنغولي المعاصر الذي تسيطر عليه قاعد أساسية لا يبرحها، صراع بين الخير والشر، بين تقاليد القرية التي تحمي كل من ولد فيها، وخضع لإرادتها وبين المدينة بتقاليدها الهدامة. جاءت مشاهدات الأديبة المطعمة بحقائق من مجال الفلكلور والأسطورة (إله في صورة تينجار، وبوخارا، الجدة الشريرة “أوريجما”، مقدسات الأسرة) معبرة تمامًا. بدت وكأن الأديبة قد ولدت في تلك البيئة، حيث تنضج العلاقات الأسرية وتتخمر. تظهر الرواية احترامًا واضحًا للتقاليد، ولكبار السن الذي يتشحون بالحكمة والخبرة، كما تتحدث عن اللعنات، والقوى الخارقة (الهالة التي تحيط بالشامان في صورة البطلة “شيروكو”)، أو القدرة على نوع من التواصل خارج إطار اللغة. وأيضًا الصورة التقليدية النمطية للمرأة مقابل الرجل، حيث تقتصر رسالة المرأة على الإنجاب، ورعاية الأسرة، بينما واجب الرجل هو الصيد، وإطعام الأسرة. يبدو الحد الفاصل بين الخير والشر في ثنايا الرواية واضحًا، مرسومًا بدقة، ورغم هذا الوضوح والجلاء فإن هذا الفاصل البسيط لا يحول بين الإنسان ورؤيته الشخصية للعالم. لذلك نجد القارئ يقف في جانب الأم ورؤيتها الشخصية الوحيدة التي لا تحيد عنها تجاه العالم، ويتعاطف أيضًا مع الابنة التي باعت نفسها لقوى المدينة الغامضة المدمرة. سنجد أي مقترح للحل في غير موضعه. الحياة تسير في طريقها، ومشاكلها تعالج على نحو طبيعي، ومن تلقاء نفسها. وهذا هو الأهم.

شارك

خالد البلتاجي

أكاديمي مصري ومترجم