بيترا هولوفا – بروفايل

عالم بيترا هولوفا

كاتبة وروائية تشيكية شابة، ولدت في الثاني عشر من يونيو 1979. والدتها “ألينا لاوفروفا” فنانة تشكيلية، ووالدها “يان ريز” فنان تشكيلي. أما والدها الحقيقي الذي قام بتربيتها، ورعايتها فهو “يان هولي”، الصحفي الذي أصدر عدة كتب، سجل فيها حواراته مع مشاهير المثقفين، ورجال الأعمال. بعد إتمام دراستها الثانوية، التحقت بكلية العلوم الاجتماعية، التي لم تكمل الدراسة بها. شرعت بعدها في دراسة علم الحضارات، بالإضافة إلى اللغة المنغولية بكلية الآداب جامعة شارل، وتخرجت في عام 2003. أقامت لفترات قصيرة بسبب الدراسة بمنغوليا، والولايات المتحدة الأمريكية، وهما البلدان اللذان صارا لاحقًا مسرحًا لأحداث بعض روايتها (مذكرات جدتي، وسيرك الذكريات، ومحطة التايغا). هى أم لطفلين هما “يوسف”، و”كارل”، وزوجة لموظف بوزارة التجارة والصناعة. تكتب بشكل منتظم منذ عام 2007 بمجلة “ريسبيكت”، كما تنشر مقالاتها في العديد من المجلات الأدبية مثل “ليتيرارني نوفيني”، و”سوفيسلوستي”، وغيرها.

أعمالها الإبداعية لها إيقاع خاص تفصح عنه هولوفا قائلة “ربما تمر ستة أشهر دون أن أكتب كلمة واحدة، بينما لا أنقطع عن الكتابة في النصف الثاني من العام، وفيه يخرج كل إنتاجي. ليس لحياتي أى إيقاع يومي ثابت، إما أني لا أكتب شيئًا على الإطلاق، أو أكتب بلا توقف، حتى أني لا أفعل شيئًا عدا الكتابة” (في حوار لصحيفة اي دنيس النسخة الإليكترونية 2008)

تعد رواية “مذكرات جدتي” باكورة إنتاجها الأدبي 2002، صدرت بعدها في عام 2004 قصة “عبر زجاج معتم”، بينما صدرت روايتها التالية “سيرك الذكريات” في 2005، وفي 2006 صدر العمل التالي بعنوان “ثلاث حجرات بلاستيكية”، و”محطة التايغا” في 2008، و”حماة الصالح العام” 2010 (صدرت ترجمتها العربية في القاهرة 2015 تحت عنوان “حدث في كراكوف”، و”بوهيميا”، و”الأرض الموعودة” 2012، وروايتها الأخيرة “الهاوية” 2014 جميعها صدرت في دار النشر التشيكية “تورست”.

مذكرات جدتي

صدرت النسخة العربية من هذه الرواية تحت عنوان “كل هذا ملكي أنا” في القاهرة عام 2017.  تدور أحداثها في منغوليا في القرن العشرين، وتروى مصائر عدة أجيال من نساء إحدى العائلات المنغولية. يتناول الإطار العام للرواية التناقض بين الأسلوب التقليدى للحياة في المناطق الريفية داخل منغوليا، وبين طريقة الحياة فى المدن، كما تُبرز أحداث الرواية الاختلاف بين أكثر من جيل. هي حكاية عائلة تتكون من أم وأب وبناتهم الاربع – “دزايا”، و”ماجي”، و”نارا”، و”أويونا” -ترويها الجدة، والأم، والابنة، وهكذا تنقل لنا هذه الشخصيات الحدث من منظور ثلاثة أجيال مختلفة، ومن خلال قصصهم نعرف كيف كبرت البنات، وكيف ماتت الجدة، وكيف لقيت الابنة الكبرى “ميرا” حتفها في حادث مأسوي فى أحد سباقات الخيل.

ينقسم العمل إلى ستة فصول، حيث تقوم “دزايا” في الفصل الأول بدور الراوي، بينما تقوم ابنتها “دولجورما” برواية الفصل الثاني، وتروي الجدة “ألتا” حكاية الفصل الثالث، أما الحكاية الرابعة فترويها “أويونا”، والخامسة “نارا”، وتستعيد “دزايا” دور الراوي في الفصل السادس والأخير. وهكذا تبدأ “دزايا” الحكاية، وتليها سيدات العائلة كل منهن تحكي الحكاية من منظورها الخاص، وتضيف تفاصيل جديدة، تلتقطها من تتقمص دور الراوى في الحكاية التالية، وهكذا، إلى أن يتسلم الراوي الأول “دزايا” مقاليد السرد مرة أخرى.

تنحدر الجدة “ألتا” من أسرة فقيرة، عاشت طفولة تعيسة، نتيجة الخلافات الدائمة بين والديها، وإدمانهما الكحول، ما أدى إلى إهمال الأبناء. ولما كبرت التقت “توليج”، وهو شاب من أسرة ثرية تمتهن تربية الخيول والأغنام، فتزوجا، وانتقلت للعيش مع أسرته. وهناك أنجبت بناتها الأربع – “ميرا” محبوبة أبيها ثم “دزايا” ومن بعدها “نارا” (كلتاهما كانتا ثمرة لعلاقة عاطفية جمعت الأم “ألتا” وصديق شقيقتها “ميرجين” ذي الاصول الروسية)، و”ايونا” الابنة الصغرى.

بعد أن تتم “دزايا” دراستها بمدرسة البلدة الصغيرة التى تعيش فيها (بادية الجبال الحمراء)، تنتقل بصحبة خالتها إلى المدينة، العاصمة  (أولان باتور)، لتبحث عن عمل مناسب، وزوج تبدأ معه حياة جديدة مختلفة، فتفشل في الحصول على العمل الذي تحلم به، وينتهي بها الحال مومسًا في بيت الدعارة الذي تديره خالتها، وقد أنجبت من أحد زبائن الماخور ابنتها “دولجورما”، التي أنفقت عليها ببذخ شديد، وعندما أدركت “دولجورما” حقيقة مصادر إنفاق والدتها، هربت من البيت، وقطعت علاقتها بأمها، وهي ابنة السادسة عشر. ولأنها لم تتقن أي عمل، ولم تتعلم أي شيء ذي قيمة حتى ذلك السن، اضطرت في النهاية إلى العودة إلى بيت أمها، التي بدورها كانت قد فقدت الأمل من عودة الابنة، بعد طول انتظار، وتركت العمل ببيت الدعارة، وانتقلت للحياة ببلدتها الصغيرة لتعيش مع أسرة أختها “أويونا”.

أما “نارا” فقد وقعت في غرام أحدهم في البلدة، وهو الشخص الذي لم يقدر ذلك الحب الكبير، أو بالأحرى لم يستطع تحمله، فكادت تفقد عقلها من فرط الحزن، ومن ثم أجبرها والدها على الرحيل إلى المدينة، حيث انتهى بها المطاف أيضًا في بيت الدعارة، الذي تولت إدارته بعد خالتها. أما صغرى البنات “أويونا” فقد تزوجت وبقيت في بلدتها الريفية مع والديها وابنائها الثلاثة تراعهم حتى النهاية، ولم تنتقل للعيش في المدينة أسوة بأختيها اللتين لم تحمل لأي منهما أي مشاعر طيبة، ولم تنسى أو تغفر لهما سوء معاملتهما لها في طفولتها.

عبر زجاج معتم

وفي قصتها الثانية تبقى هولوفا على أرض الوطن، تعالج هذه المرة العلاقة بين الأم وابنها تلك العلاقة التى تتكشّف تفاصيلها عبر زجاج معتم، يتعمد الأبطال رؤية الواقع من خلاله. تبرز القصة الفروق الواضحة بين الأم والابن الشاب “أوندرشي” في رؤيهما للحياة وللمحيطين بهما. أما الموتيفة الأساسية هنا فهى الوحدة، والانعزال، وعدم الصدق مع الذات. تُظهر الكاتبة من خلال العمل معرفة عميقة بالنفس البشرية، والطبيعة الإنسانية، والعلاقات بين البشر. تعتمد الكاتبة في السرد على سلسلة من الحلقات الصغيرة، التي تعطي انطباعا بأنها منتزعة من السياق الثقافي التاريخي المعاصر. تقدم نظرة على الحياة المعاصرة، هي نظرة بعين لا تريد أن ترى، تنظر من خلف زجاج معتم، لأنها قررت ألا ترى. الغرض الذي تسعى الكاتبة لإثباته هو إدانة تبني فلسفة ثابتة في الحياة. يعتمد العمل على المونولوج الداخلي للشخوص. المونولوج الأول يؤديه الابن “أوندرشي”، ذلك الشاب الذي يقف على أعتاب الثلاثين، وقد فشل زواجه بـ”ماريا”، التي انجبت له ولده يعقوب. أما الثاني فهو في عهدة الأم، تطلقه أو تحرره من أعماقها قبل قليل من خروجها على المعاش.

يتراجع هنا دور الحدث ليتيح المجال لسبر اغوار النفس البشرية وما يعتمل فيها من أفكار وتأملات ورغبات وإخفاقات. الخلفية المكانية هي المدينة المعاصرة (براغ)، وهنا تظهر الأحداث التي تدور فيها بصورة ضبابية، غير واضحة. هى إذن مناجاة شخصية تستهدف بلورة نظرة جيلي الاباء والأبناء للذات، للواقع، للأحداث، وللآخرين من حولهم، حتى لو كانت تلك النظرة أسيرة جدران الغرفات التي تنطلق منها. أما الزمان فنستطيع القول إننا هنا لا نتحدث عن زمان خارجي، بل هو زمان داخلي يتجلى من خلال إحساس الشخوص به، فهي تشعر بتقدمها في العمر وضعف قوتها بغض النظر عن الزمان خارج ذواتهم. هم يتحكمون بالزمن، فها هو “أوندرشي” تارة يشرب الخمر ليتحكم فى الزمن بتقصير الوقت، وتارة أخرى يقول على لسان الكاتبة: “كما لو كان يسير ليلا، وإذا به يدرك أمه، وقد تقدم بها العمر فجأة، هكذا كما تذبل الازهار في المزهرية”.

سيرك الذكريات

تعود الكاتبة من جديد في روايتها الثالثة لتنقل موقع الحدث إلى بيئة أجنبية، هذه المرة تتنقل بين نيويورك، وبراغ، وآسيا، وذلك بحسب مسار السرد المتعلق بحياة، وأقدار، ومواقف، وذكريات أبطال العمل والبيئات التي يعيشون فيها، أو ينتقلون إليها. تمتزج في الرواية عدة حكايات في مشهد واحد من نيويورك المعاصرة. ينقل العمل هنا صورة لعالمين مختلفين – عالم المهاجرين أو حتى زوار نيويورك لفترة قصيرة، والعالم الشرقي الذي يكتنفه هنا الغموض (لم يذكر اسم البلد). نتابع ثلاثة أجيال من المنفيين، الذين تتقاطع مصائرهم لفترة طويلة أو لبعض الوقت. محور الرواية يكمن في التقاط طبيعة العلاقات النفسية الخفية والمعقدة، ويتحرك السرد بسلاسة من بيئة إلى بيئة، ومن قصة إلى أخرى.

تتنقل الكاتبة بخفة وبراعة بالحكاية، ليس فقط بين أبطال العمل، ولكن أيضًا بين حدود الزمان والمكان. تتدفق القصة بشكل طبيعي، تقترب من أسلوب تيار الوعي الذي لا يتقيد بالاسترسال في السرد، بل إن الراوى ينتقل بمنتهى الخفة من فكرة إلى حدث إلى ذكرى وهكذا، وربما يكون الرابط هنا مجرد كلمة أو صورة. ليس الهدف هنا أن يكون لكل شخصية تظهر في العمل مساحتها الخاصة التي تعنى برسم ملامحها التفصيلية، فالأمر هنا يبدوا وكأن القصة تحكي عن “لا شيء، وربما يكون هذا منطقي، وقد سبق إشارة الكاتبة إليه من خلال عنوان القصة “سيرك الذكريات”.

ثلاث حجرات بلاستيكية

قصة (من الصعب هنا أن نسميها رواية) نتعرف عليها من خلال مونولوج مثير لعاهرة في منتصف العمر، تحكي فيه تصوراتها وخبراتها في عالم الغانيات. تعيد تقييم حياتها، فتتذكر ما فعلت وما مر بها من مواقف في تلك المهنة، وذلك بطريقة لا تخلو من فكاهة وكوميديا (على سبيل المثال عندما تقوم بتصنيف عملائها من الرجال، وكذلك زوجاتهم المخدوعات).

ربما كان اختيار الموضوع صادمًا للبعض، إلا أن تناول هولوفا لهذه التيمة كان متفردا تمامًا. ليست هذه قصة مبتذلة موجهة للرجال على سبيل استثارة المتعة، ولكنها هنا تحكى ببراعة تذكرنا بحكايات الجدات للصغار قبل النوم، فهي توظف الألفاظ توظيفًا ناجحًا ومبتكرًا، ليوحي بما لم تصرح به، حتى أنها على سبيل المثال اختارت مسميات خاصة بها، ومن نسج خيالها لتجسد بها الأعضاء التناسلية للرجل والمرأة.

تلعب اللغة، التي تتسم بالثراء والتنوع الابتكار، وكذلك ايقاع الجملة في هذا العمل، دورًا غاية في الأهمية، فتستخدم الأديبة أسلوب التصغير، بما يضفيه على المعني من حميمية. تظهر لغة العمل التناقض الواضح الذي يصل إلى حد الكوميديا بين لغة الفصحى للراوى واللغة المبتذلة للبطلة، والتي تستخدم فيها ألفاظًا من قاموس الغانيات. فالكوميديا، ومحاولة حفظ التوازن الذي، يقف على حافة الفسوق، ولا ينزلق إليه، تحمل في طياتها الخلفية الاجتماعية النقدية لقصة تتخذ من الجنس موضوعًا ظاهرًا لها. فهي تكمل بالكوميديا والفكاهة اللفظية ما بدأه السرد.

محطة التايغا

الرواية الخامسة للأديبة تنقلنا هذه المرة إلى عالم المغامرة والتشويق. عالم ترتبط فيه الأزمان المختلفة، القارات، والبيئات الحضارية، ومنظومة القيم والطبائع. تدور الأحداث مرة أخرى في بيئة أجنبية، تتجه الأديبة هذه المرة شرقًا نحو حدود منغوليًا من الجانب الروسي. والأبطال هنا من السكان المحليين في القرى والبلدات النائية، جنبًا إلى جنب مع اثنين من المغامرين الدنمركيين الذين على اختلاف الأجيال التى يمثلونها، يديرون الحدث في تلك البقعة المنسية من الأرض، حيث الغابات المظلمة العميقة اللامتناهية، المليئة بالمستنقعات، والحيوانات البرية، وأسراب البعوض متفاوتة الحجم. تحاول هنا الأديبة وصف البيئة الأجنبية الغريبة من عدة نواحي، ومن مختلف زوايا الرؤية، وذلك أحيانًا بالإسهاب في الوصف، وبلغة ساحرة، شاعرية، ويكون الوصف أحيانًا واقعيًا، مركزًا، ومختصرًا. يروى الحدث قصص ومصائر شخصيات الرواية التى تتشابك مع بعضها البعض في عدة مستويات زمنية – تدور أحداث الرواية في فترتين زمنيتين من التاريخ الروسي في القرن العشرين، وهما فترة ما بعد الحرب المفعمة بالأمل، جراء هيمنة الدولة السوفيتية العظمى من خلال تطبيق مبادئ الفكر الاشتراكي الذى نشرته في وسط وشرق أوربا من جانب، ومن جانب آخر فترة التسعينيات التى شهدت سقوط الدولة السوفيتية العظمى، وأفول نجمها – وفي كلتى الفترتين تُلقي الامبراطورية الروسية، والبلشفية الاستبدادية التي ألقت بظلالها الواضحة على الأحداث على مدى عقود. يمكن القول هنا إن الرواية تتبنى منهج الثنائيات: الشرق في مواجهة الغرب – السكان الأصليين والمهاجرين إلى التايغا السيبيرية والدول العرقية الصغيرة بما يمثلون من سمات الخير، والحرية، وقوانين الطبيعة في مقابل الأمم العظمى كالألمان بما يمثلون من  سمات الشر والقيود التى تحد من حرية الفرد، قوانين الحق وقواعد الحزبية، أما الثنائية الثانية فهي جيل الكبار في مقابل جيل التسعينيات بشقيه – جيل المغامرين، الرحالة، الباحثين عن الحقيقة في مواجهة أصحاب الأرض المقيمين الذي يبقون في مواقعهم انتظارًا للخلاص. وهكذا ننتقل من الدانمارك إلى سيبيريا، ثم إلى الدانمارك من جديد، لنرى الواقع بعيون الرجال والنساء، المثقفين وغير المعنيين بالمعرفة والثقافة. تتبنى الأديبة في العمل دور المراقب المتابع للطرفين من دون أن تميل أو تنحاز لأي منهما، وكأنها تريد أن تقول في النهاية: نحن نستعرض نمطين حضاريين وجيلين مختلفين لكل منها سلبياته وإيجابيات. تترك للقارئ حرية الرأى في الحكم عليهما، أو الانحياز لأي منهما، أو ربما تبني موقف الكاتبة المحايد. “محطة التايغا” رواية واقعية تعتمد على تدفق السرد في قصة تقدم مغامرة مثيرة معروضة بشكل شائق.

حماة الصالح العام

العمل السادس لـ”هولوفا” والتي يمكن تكثيف مضمونها في عبارة واحدة “الواقع التشيكي المعاصر بعيون المنهزمين”. صدرت النسخة العربية للرواية في القاهرة عام 2016 بدار نشر العربي تحت عنوان “حدث في كراكوف“. “حماة الصالح العام” رواية سياسية نقدية في قالب ساخر، تناقش التحولات السياسية والمجتمعية التشيكية بعد عام 1989، أى بعد نجاح الثورة المخملية، واقتلاع الشيوعيين من السلطة، وتنحيتهم عن الحكم في البلاد. لا ترى بطلة الرواية العالم قبل نوفمبر 1989 (النظام الشيوعي) مثاليا، بل تراه أفضل عالم يمكن التوصل إليه، وتؤكد في ثنايا الحدث إيمانها بأن الواقع الجديد مليء بالأخطاء، التي لا يمكن السكوت عليها، أو التأقلم معها، بل إنها باتت تعتقد أنه ينبغي، حتى ولو بالقوة، أن تجبر الآخرين على أن يستشعروا خطأ معتقداتهم، باعتبارها أحد حراس الخير، وحماة المصلحة العامة. تعتمد الأديبة هنا السرد من خلال المونولوج على لسان البطلة، التي لم تسمها في العمل، والتى لا يمكن تصنيفها على أنها شيوعية متعصبة، ولكنها تجد حلًا ممكنًا في الفلسفة الاشتراكية التى تتبنى النظم الشيوعية مبادئها، والتي من أهمها التضامن الإنساني، والعدالة الاجتماعية. تتخذ الرواية  من حي كراكوف النموذجي، على سبيل الرمز، بيئة للحدث. تم بناء كراكوف كواحدة من عدة أحياء نموذجية في عهد الشيوعية لإقامة وحدات سكنية. بعد الثورة المضادة، وهو الاسم الذي تطلقه بطلة الراوية على ثورة 1989، تحولت كراكوف إلى جيتو اجتماعي، خرج منه جيتو أعلى مكانه، وضرب بينهما بسور. تقرر البطلة بعدها أن تشكل وحدات طلائعية بالتعاون مع صديقتها “أنديلا”. شكلتها في البداية من أطفال الفيتناميين من سكان المدينة، كمبادرة رائدة لدمج الأقليات، وتقليل الفجوة بين سكان المدينة. في أول الأمر كان عدد هؤلاء الرواد محدود، ثم ما لبث أن ازداد عددهم واشتد تطرفهم، وانضم إليهم الكبار. على الجانب الاخر نجد “ميلادا”، أخت البطلة تمثل النموذج المضاد فكريا، فهي تعيش مع صديقها “ستاندا”، أحد المثقفين المعارضين للفكر الاشتراكي، الذين تراهم بطلة الرواية يدسون أنوفهم في شئون المدينة، وما حولها، وينظرون إلى الآخرين من أبراجهم العالية، فيفسدون حياة الآخرين، لأنهم لا يجيدون سوى التنظير، فيتحدثون ويتفلسفون، ويفسدون من حيث أرادوا الإصلاح.

تلفت الرواية إلى أن للحقيقة عدة وجوه، أي أننا يمكن أن نراها من زوايا عديدة، فما يراه أحدنا أمرًا إيجابيًا، جالبًا للحرية، ربما يراه الآخر سلبيًا، مثيرًا للضيق، والقلق، والشعور بالفوضى. وعلى الرغم من أن أبطال الرواية مرتبطين بوحدة المكان والمصير، إلا أنهم فقدوا القدرة على التواصل، كل منهم يظل حبيس أفكاره ومعتقداته الخاصة. تستعرض الكاتبة تلك الآراء المختلفة والمتعارضة من خلال أفراد أسرة واحدة، تمثل في مجملها نموذجًا حيًا للمجتمع التشيكي المعاصر.

التشيك أرض الميعاد

تنتقل “أولجا” بطلة الرواية من أوكرانيا إلى بوهيميا (التشيك) هربًا من الحرب، وبحثًا عن فرصة عمل أفضل. هي قصة فتاة تعيش حياة قاسية وصعبة خارج موطنها. تتعامل القصة مع الصورة النمطية للأوكرانيين، وأصحاب العمل التشيك، والمنظمات الخيرية. هي ذلك الجنس الروائي الذي يسجل حياة العمالة الوافدة، التي تتمحور حياتها حول البحث عن لقمة العيش، وتأمين سبل العيش لأفراد الاسرة. يرسم العمل صورة الشخوص بطريقة ساخرة.

تقوم “أولجا” بطلة الرواية بدور الرابط الذي هو من ناحية ينقل صورة الحياة في أوكرانيا قبل رحيلها، كما يرسم من ناحية أخرى صورة لحياة الوافدين الاوكرانيين إلى مجتمع العاصمة التشيكية براغ، وذلك من خلال المجموعة المحيطة بها من مواطني اوكرانيا. تأتي “أولجا” مع زوجها “أوليخ” إلى براغ بعد أن يتركا ابنتهما “مارينا” ذات الاثني عشر عامًا من عمرها مع الجدة في بلدتهما الريفية، ثم يستقدمونها للعيش معهم بعد يستقر بهم المقام ببراغ. تحكي “أولجا”، التي لا تجسد الرواية صورتها كضحية لأشرار التشيك، ولكنها امرأة قررت بإرادتها الحرة أن تتحدى الظروف الصعبة التى أوجدها فيها القدر، والمصاعب التي مرت بها في بداية إقامتها في براغ، حيث اضطرت للعمل كخادمة، وكيف أنها بمرور الوقت بدأت تتأقلم مع البيئة الجديدة، فأتقنت اللغة التشيكية، وأصبحت قادرة على التواصل بها مع المواطنين التشيك، وكيف تمكنت من تأسيس وكالة للتعارف بين التشيكيات والأوكرانيين، وأخذت تستعرض تباعًا تقلبات حياتها الشخصية. أثناء الحكاية على لسان “أولجا” تتسلل الشخصيات التى تتعامل معها، وحكاياتهم ومصائرهم، كما تخرج من حيز الزمان والمكان لترجع بذكرياتها إلى بلدها أوكرانيا، ليبدو الامر في مجملة وكأنه لقطات أو صور من الحياة. تجسد الاوضاع الحالية للأقلية الاوكرانية في التشيك (حرائق تنشب من آن لأخر بمساكن الإيواء التى يعيشون فيها، عمليات النصب التي تعرض لها بعض الاوكرانيين علي يد مكاتب التوظيف التشيكية، الصراع بين العصابات الأوكرانية، وتلك النظرة الاستعلائية للتشيك حيال الأوكرانيين المقيمين في بلادهم).

وتأتي نهاية العمل لتمثل مفاجأة للقارئ، وذلك عندما يفر “أوليخ” زوج أولجا بشكل فجائي عائدًا إلى أوكرانيا، مما يلقي بظلال الشك حول مصداقية راوي القصة “أولجا”، وبالتالي حول مدى الوثوق بالحكاية التي ترويها من الأساس. يعتمد السرد على طريقة “الفلاش باك”، في صورة ذكريات البطلة التي تختزل فيها أحداث حياتها في السنوات القليلة الماضية، أي منذ وصولها إلى براغ، وهذه الذكريات لا ترتبط معا برابط زماني أو مكاني واحد، ولكنها لقطات تتجلى أمامها منفصلة كما لو كانت مجرد صور، أو قصاصات غير متصلة من حيث الموضوع، أو الزمن، أو المكان.

نلحظ هنا تناصًا واضحًا بين الرواية وبين الحكاية الشعبية التشيكية، والتي كان بطلها الجد الاكبر للتشيك، الذى وصل إلى الأراضي التشيكية في قديم الزمان هاربًا من قومه، بعد أن ارتكب جريمة قتل في موطنه الأصلي صربيا، ولما خاف العقاب ترك وطنه مع نفر من أتباعه، وعندما وصل إلى جبل “رشيب” في التشيك، ترك قومه وصعد وحده إلى قمة الجبل، يستطلع المكان، واذا به يفتن بجمال الأرض من تحته، فقال لأتباعه قولته الشهيرة، محفزًا إياهم على البقاء بتلك البقعة الجميلة من الأرض “تلك هي أرض الميعاد، التي طالما حلمنا بها وبحثنا عنها”. ربما استدعت الكاتبة من ذاكرتها ذلك المشهد القديم لتقارن بين ما قدمته أرض التشيك في الماضى البعيد، باعتبارها الملجأ والملاذ، وأرض الطمأنينة، وبين الوضع الراهن، وذلك من خلال إبراز مدى معاناة الوافدين الاوكرانيين بحثًا عن العمل ومن قبله الامان.

تحاول “هولوفا” هنا رسم صورة كاريكاتيرية للمجتمع التشيكي بعيون أوكرانية. الميزة الكبرى في هذا العمل تكمن في اللغة التى كتب بها، والمدهش هنا هو لغة البطلة التي أتقنت اللغة التشيكية بعد عدة سنوات من الإقامة بالتشيك، إلا من بعض الأخطاء الصرفية والنحوية، والتي تحرص الكاتبة على إظهارها للتأكيد على أصولها الأجنبية.

الهاوية

الكتاب الأخير لـ”بيترا هولوفا” والذي أثار ضجة واسعة في صفوف النقاد. صدر النسخة العربية في القاهرة تحت نفس العنوان الأصلي في دار نشر كتب خان.  يضع البعض هذه الرواية جنبًا إلى جنب مع كتابها الأول والأكثر شهرة ونجاحًا بين أعمالها “مذكرات جدتي”، بينما يراه البعض الاخر عملًا يهوى بمؤلفته إلى أسفل درجات سلم النجاح الادبي. أما الكاتبة فتقول إنه أكثر كتبها قربًا من حياتها الشخصية. والحقيقة أنه لا يمكننا القول بأن الاديبة هنا تسجل سيرتها الذاتية، أو أن بطلة العمل تعد صورة ذاتية لها، وذلك لأن مواصفات وطريقة حياة بطلة العمل الأخير لا تتطابق مع الأديبة في معظم الأمور، وإن تشاركتا نفس المهنة – الكتابة الأدبية.

الهاوية عمل ذو خصوصية شديدة، تتجاوز فيه الأديبة بعض التابوهات الأدبية التى ليس من السهل تجاوزها في العادة. تمس الأديبة في هذه الرواية موضوعًا ربما يتجنبه الكثيرون، وخاصة بذلك القدر من الصراحة الجامحة، التي لا تسمح للأعراف المجتمعية بالوقوف في طريقها، أو إعاقة تدفقها.

بطلة رواية “هولوفا” الأخيرة كاتبة مسنة، تخصصت في كتابة الروايات العاطفية. بعد أن كبر أبنائها، صارت تقضي كل وقتها ما بين الكتابة، وشرب الخمر، والندم على ما فات من عمرها. تقوم البطلة بدور الراوى، وهي ذلك النوع من الشخصيات التي ينقسم حولها القراء، فيتعاطف معها أحدهم، بينما يدينها الآخر، أو حتى تخلط مشاعر التعاطف والإدانة داخل الشخص نفسه، فهو يتأرجح بين التعاطف والغضب، ذلك أنها مميزة وذكية، بقدر ما هي قاسية وأنانية. من خلال مونولوج بطلة الرواية، التي بغض النظر عن طموحها الأول، أصبحت كاتبة ناجحة، نتعرف على مدى معاناتها وهي تنتقل من أزمة كبيرة إلى أخرى أكبر منها – انهيار علاقتها بزوجها، وانتهاء الأمر بينهما بالطلاق، علاقة الحب المختلط بالكراهية، أو على الأقل بالإهمال الشديد، وعدم القدرة على التواصل مع أبنائها، الذين لم يقدورا على أن يغفروا لها حتى بعد أن كبروا. هنا في الصور المتشابكة المتتالية يبحث القارئ عن رابط منطقى يجمع بما بين يديه من أحداث، أو بالأحرى قصاصات أو صور غير مترابطة، فلا يجده في البداية، ثم بالتدريج، وغالبًا بصعوبة، كبيرة يصل إلى غايته، ويحصل على إجابات على أسئلة من قبيل: لماذا وصلت بطلة العمل الكاتبة المعروفة إلى تلك الحالة، كيف تحولت إلى امرأة صعب تحملها أو الحياة معها، ولا يمكن لأحد أن يقاوم رغباتها، ولماذا يصل بها الامر حينما تنتابها نوبات الهستيريا المعتادة الى أن تصيح بالمارة في الشارع من شرفة حجرتها، وكأنها تسترجع بعضًا مما مر بها في فترات سابقة من حياتها، وتقذف به الآخرين، لينتبهوا إلى أن هناك إنسان يعاني.

وتجدر الاشارة هنا إلى اختيار “هولوفا” لعنوان الرواية، وإلى أي مدى يرتبط أو يعبر عن الفكرة الأساسية للعمل. ما المقصود بكلمة “الهاوية”، ولماذا اختارتها المؤلفة عنونًا للعمل؟ عنوان الرواية يشير إلى “ماتسوخا”، وهو اسم أعمق هاوية في جمهورية التشيك ووسط أوربا (بعمق 138.5 متر)، وفيه دلالة واضحة على عمق الهوة التى سقطت فيها بطلة الرواية، بعد إدمانها الخمر الذي أفسد عليها حياتها العائلية، وأفقدها القدرة على العطاء والتفاعل مع أقرب المقربين إليها.

تلعب اللغة في رواية الهاوية دور البطولة في نص لا يعتمد الاسترسال في السرد، وإنما ينتقل من صورة إلى أخرى تليها من غير رابط منطقي بطريقة تقترب بها من أسلوب تيار الوعي. وتبعث الكاتبة في ثنايا العمل برسائل فكاهية، وتشن من خلاله هجوما شرسًا على أخلاق البرجوازية.

عالم بيترا هولوفا الأديبة

يمكننا أن نميز في كافة أعمال “بيترا هولوفا” اتجاهين واضحيين، يظهران بشكل تبادلي أو متزامن في إنتاج “هولوفا” الأدبي. الاتجاه الأول  هو وجود سرد نثري حكاياته مستلهمة  من بيئة أجنبية (مذكرات جدتي، وسيرك الذكريات، ومحطة التايغا)، أو حكايات تعالج قضية التواصل بين الثقافات. حكايات رواياتها ما تلبث أن تتفتت إلى مجموعة من حكايات بسيطة، أحداث ذكريات يربطها دائمًا رابط الأصل الواحد، العائلة الواحدة، أو العلاقة الزوجية أو العاطفية. ومن الموضوعات النمطية في هذا الإطار ندرج دور العادات القديمة، والأحداث الغريبة في عالمنا المعاصر، والفروق الفردية والثقافية بين الأفراد، مواقف وحياة الأجنبي في البيئة الغريبة (مذكرات جدتي، سيرك الذكريات، محطة التايغا). الاتجاه الثاني الغالب في أعمال الأديبة فهو يهمل التركيز على الحدث، ويتخفف من معالجة أجزائه المختلفة، ويتطرق إلى العالم الداخلي لشخوص العمل (من وراء زجاج معتم، ثلاث حجرات بلاستيكية، حماة المصلحة العامة، التشيك أرض الميعاد، الهاوية). وبناء على ما سبق فان أهم الموضوعات التي عالجتها وسلطت عليها الضوء في أعمالها كانت الأسرة، والعلاقات بين أفراد الاسرة الواحدة، والفروق بين الأجيال، وجهات النظر المتعددة، وبشكل عام عالم المرأة المعاصرة – آرائها، ومشاعرها، ومشاكلها. يعد إنتاجها الأدبي بذلك جزأ أصيلًا من الأدب النسوي التشيكي المعاصر.

اللغة في مجملها واضحة بسيطة لا يكتنفها الغموض، تتراوح بين الفصحى البسيطة، والعامية المتداولة، والأقرب إلى فئات الشعب المختلفة، وإن غلب عليها استعمال العامية. تستعير أحيانا تعبيرات وكلمات من لغات اجنبية تضفي على العمل لمسة تؤكد على محلية البيئة، بخاصة في الروايات التي تدور أحداثها في بيئات أجنبية (اللغة المنغولية، وكذلك الروسية دون أي إشارة داخل النص أو في الهامش مثلا إلى معانيها، والجدير بالذكر أن هذه التعبيرات والكلمات لا تؤثر سلبا أو تعيق التواصل مع موضوع الرواية -مذكرات جدتي، محطة التايغا).

أحيانا تقوم الكاتبة بدور الراوى، أو تترك الرواية للشخصية، التي غالبا ما تكون نسائية (معظم أبطال أعمالها من السيدات، ويحتل المونولوج الداخلي لبطلات أعمال الأديبة مساحة كبيرة من النص، وهو ما يمكن الروائية من التحليل العميق لشخصيات العمل، والتوغل في تفاصيل الشخصية، ووصف أدق المشاعر الانسانية). تستعرض الكاتبة في أعمالها دائما الحقيقة من زوايا متعددة الرؤية من خلال مواقف، وأراء وقناعات أبطال، أو بالأحرى بطلات أعمالها، وربما ينبع ذلك من تأثرها بتيار ما بعد الحداثة، الذي لا يومن بحقيقة واحدة ثابتة، جامدة، ويؤمن بأن للحقيقة أكثر من عنوان، وأنها في النهاية مسألة نسبية. كما يتجلى على ما يبدو في كافة اعمالها تأثرها بدراسة نظريات علم الحضارات، وفكرة التواصل، والتنافر الحضاري والثقافي بين الأمم والأفراد.

تتبادل البيئة الأجنبية مع التشيكية المواقع في أعمال الاديبة (تدور أحداث الرواية الأولى “مذكرات جدتي” في منغوليا، وفي القصة الثانية “عبر زجاج معتم” تتخذ من براغ عاصمة التشيك مسرحا لأحداثها، ويتنقل موقع الأحدث في القصة الثالثة “سيرك الذكريات” إلى مدينة نيويورك، وهكذا).

حصدت هولوفا العديد من الجوائز الأدبية القيمة عن بعض أعمالها، فقد صعد نجمها منذ العمل الأول “مذكرات جدتي” (2002)، والتي حصلت عنها على جائزة “ماغنيسيا ليتيرا” 2002، وحصلت نفس الرواية لقب كتاب العام في استطلاع للرأي أجرته صحيفة “ليدوفي نوفيني”التشيكية. وظل هذا العمل، على الرغم من كونه أول عمل منشور لها، علامة بارزة بين إبداعاتها التالية، العمل الأكثر شهرة بين أعمال هولوفا، حتى أن كل عمل جديد أصدرته بعده، كان يوضع في موضع المقارنة التلقائية معه.

كما فازت الأديبة عن روايتها “ثلاث حجرات بلاستيكية” (2006) بجائزة “يرشي أورتل” 2007. وفي عام 2008 حازت على جائزة يوسف شكفوريتسكي عن روايتها “محطة التايغا” (2008).

 

شارك

خالد البلتاجي

أكاديمي مصري ومترجم