logo-mini
البحيرة

البحيرة

ا تمثل البحيرة القابعة في مدينة بوروس الصغيرة كمركز للرواية، مركزا قوطيا ورمزيا تنعكس فيه وعليه تفاصيل حياة شاقة في ظل سيطرة الاتحاد السوفيتي (الروس تحديداً؟) علي تشيكوسلوفاكيا سابقاً.

صاحت المثلثات الثلاث من تحت الأرض:
– تعال إلى هنا يا حبيبي!
ثم جذبته إليها. صدر ينتفض فوق صدر آخر هائج مثله. يهدأ “نامي”، ويتوقف عن السعال. أسفل المثلثات الثلاث جلدٌ برونزي اللون دافئ، طيب الرائحة. تضمه المثلثات الثلاث، وتوزع القبلات في شعره، وتهمس له بشيء. اطمئن قلب “نامي”. أخذت شعيرات تلك المرأة تداعب وجهه، وعلا صوتها بالغناء.
صاحت الجدة:
– لا تغني له!
انتفض “نامي”، ثم سرعان ما استلقى في هدوء. سكن جسده. تظاهر بأنه ميت، وأنه قد اختفى من الوجود. هدأ صوت الغناء. مع كل زفرة صوت رخيم، وكأنها هزات ترافق صوت جرس توقف قلبه عن الدق عليه. كَمْ وَدّ “نامي” أن يطول هذا الأمر إلى الأبد. ينظر خلسة إلى وجه تلك المرأة. لكنه لا يرى سوى مقدمة أنفها، وعظام وجنتيها الناتئة. يفقد “نامي” وعيه وهم عائدين إلى البيت، فيضطر جده إلى حمله.
لم يختاروا العودة عبر الميدان الذي يقف فيه تمثال “الزعيم”، وبه حفرة صنعها الروس لجمع القمامة بها. لكنهم اختاروا طريقًا جانبيّا، خلف الحي السكني.
– كم أنتَ ثقيل، أيها الولد!
تذمر الجد، ثم توقف في مكانه عندما انزلقت قدمه، وبالكاد تمكن من إعادة توازنه. في البيت سيحصل “نامي” على مصاصة. سيلعَقُها، غالبًا رغمًا عنه، وهو يتابع المثلثات الثلاث التي تحولت إلى فستان مزركش لونه أزرق في أخضر. في المساء سيبدأ “نامي” في التقيؤ بشدة بعد أن انقبضت معدته تمامًا، فلفظت كميات كبيرة من ماء قذر، وشاي بالنعناع، وقطع كعك بجبن الماعز. مرّرَت صاحبة الفستان المزركش يدَها على جبينه، أمسكت رأسه وهو يتقيأ، وجففت فمه، وراحت تهدئ من روعه. فهمست له قائلة:
– هوووو، الآن ستكون بخير يا حبيبي.
عندما استيقظ “نامي” في الصباح وجد الفستان الأخضر في أزرق قد اختفى. وكلما شرب شاي روسيًّا أسودًا تقيؤه على الفور.

ترعرع “نامي” وسط رائحة السمك، فلم ينتبه إليها، ولم يشعر بها كما ينبغي. في مدينة “بوروس” مزرعة لأسماك الحَفَش، يجاورها مباشرة مصنع لتصنيع المنتجات السمكية. تعمل جارته “ألية” في مصنع الأسماك. تأتي أحيانًا وتجلس عند عتبة الباب. تحضر دلوًا من الكافيار لتستبدله بجوال بطاطس. يضطر بعدها “نامي” إلى أن يأكله في فطوره وفي عشاءه، يجلس بجوار الدلو، ويظل يغرف منه بالملعقة إلى أن تثور معدته.

“نامي” يتصبب عرقًا، يمسك بيد جدته المنتفخة. أمواج البحيرة تلطم بانتظام رصيفًا صخريّا، وصراخ قادم من عند شاطئ رملي في المدينة، صراخ زاعق. من المؤكد أنه يوم الأحد. فهو هنا يجلس فوق الفراش مع جده وجدته. وشخص آخر هنا. يراه “نامي” كثوب سباحة على هيئة ثلاث بقع حمراء، ثلاثة مثلثات لمايوه بكيني، تعلوه حزمة شعر أسود ممشط وكأنه ذيل حصان، وكومتان من شعيرات داكنة اللون أسفل الإبطين. ثلاثة مثلثات تهتز بتكاسل في ضوء الشمس، تتداخل حتى تصير جسمًا واحدًا، وسمكة سُلّور تضرب بذيلها بالقرب من الشاطئ.
تقول الجدة هي تلطم ذبابة حطت على بطنها:
– مستوى المياه في البحيرة أقل من المعتاد.
ثم راحت تلوك في فمها حبات عباد الشمس المُحمّصَة، اشترتها من أحد الأكشاك على الشاطئ، ثم تبصق القشور أمامها على الرصيف الصخري.
يرد عليها الجد ساخرًا:
– ما هذا الهراء؟ يا ويلي من النساء! صداع!
يبتسم الجد، ثم يميل بجسده إلى الخلف، يداه فوق فخديه. يمسك في إحداهما، بين أصابعه التي سكنتها القذارة، سيجارة بدون فلتر.
تأخذ المثلثات الثلاث القارورة، ثم تميل على “نامي” لتعطيه شاي بالنعناع.
– اشرب يا حبيبي!
إن المثلثات تتحدث. لها صوت عميق ولطيف، مثل بثر ماء قديم كائن خلف بيتهم. يشرب “نامي” الشاي المنعش المُحَلّى بالعسل، فينزلق إلى حلقه دون أي عائق.
يقول جده وهو يسترضيه:
– تعال يا حبيبي، كي لا يقول أحدهم عنك بأنك جبان. فكل طفل في الثالثة من عمره عليه أن يتعلم السباحة.
يمرر جده كفه فوق بطنه المستدير، ثم ينفض رماد السيجارة في الماء، فيصدر حسيسًا. لا يرغب “نامي” في النزول إلى الماء. يريد أن يظل مستلقيًا فوق الفراش، متكًأ على بطن جدته اللينة، يراقب المثلثات الثلاث الملونة. يحاول أن يرفع يده، لكنها تسقط بكسل في حِجْرِه.
تَسْتَحِثّه جدته قائلة:
– هيا يا نامي! تعال كي أشتري لكَ مصّاصَة.
التصقت المصاصة بورقة السلوفان، وعجز عن تحريرها منها. نادرًا ما يحصل “نامي” على مصاصة. لا يراها إلا في “يوم السلام”، وكلما زارته المثلثات الثلاث. طعم المصاصة مثل السكر المحروق. لا يروقه مذاقها، لكن ندرة المصاصة تدفعه في كل مرة إلى أن يحبها، ويفعل من أجلها كل ما تطلبه.
ينهض “نامي” على مهل، ثم يجد نفسه يطير في الهواء قبل أن يهم واقفًا.
يصيح فيه جده وهو يقهقه:
– هيا اسبحي أيتها السمكة!
المثلثات الثلاث تصيح، وجدته أيضًا تزعق. يرتطم “نامي” بالماء بجنبه فيؤلمه، يشق سطح البحيرة، ثم يسقط في ماء مظلم. يرى من فوقه شمسًا تتلألأ وسط حشد من فقاعات خلّفها وراءه. تاهت منه أنفاسه، وشعر بألم في صدره وهو يسقط في الماء الذي أصبح أكثر برودة. “نامي” يسقط بجسدٍ متصلب، يداه ترفرفان بمحاذاة جسده. يظن بأنه سيرى بعد قليل “جنيّة البحيرة” التي تسكن قاعها. يزداد الضغط على صدره، وتكاد أذناه أن تنفجرا. يحاول التقاط أنفاسه بطريقة لا إرادية، فيبتلع جرعات من الماء. لم يعد يرى شيئًا. يحرك يديه وقدميه بكل هياج فيقربه هذا من سطح الماء. صار كل شيء أسودًا ولامعًا.
تصيح الجدة بارتياح عندما التقط “نامي” أنفاسه أخيرًا، وأخذ يلفظ بقوة الماء القذر الذي ابتلعه.
– أيها الغبي العجوز. يالك من كهل لعين لا يأتمن حتى على علبة ديدان.
– ماذا داهكِ! لقد نجح في الأمر، أليس كذلك؟ ألا ترين أنه قد تمكن من السباحة بمفرده؟
أخذ يهدئها الجد بصوت متهدج بعض الشيء، وأضاف:
– إنه مقاتل.