logo-mini
خلف طاحونة الجبل

خلف طاحونة الجبل

تعد قصة خلف طاحونة الجبل (صدرت عام 1926) خلاصة الفكر القصصي عند أوربان. تحولت فيما بعد إلى عمل أوبرالي بعنوان (كروتنيافا). العمل التالي لـأوربان هو مجموعة قصصية بعنوان من الجبهة الباردة 1932 ويضم ست قصص.

يراها أمام عينيه، مفعمة بالنشاط والصحة، انقبض صدره. أمر مخيف جال بنفسه. أسرع نحوها، وأمسك بذراعها وأخذ يهزها:

  • كاترينا!

نظرت كاترينا إليه في ذهول، أما هو فتقعقعت أسنانه وهو يقول:

  • هل كان عندك؟

ترددت قليلًا، لكنها تحت تأثير نظرته الحادة ارتعدت قوائمها، فقالت على الفور بصوت حزين:

  • نعم كان عندي.
  • هل قضى الليل عندك؟
  • نعم
  • ألا تعرفين ماذا قد يعنيه هذا؟!

ثم رفع رأسه وأشار إليها بإصبعه:

  • أنت… أنت المسئولة عن موته!

سقطت كاترينا زالتشيكوفا على ركبتيها، وكأن حجرا سقط في الغرفة. ثم رفعت يديها نحوه وهى تعصر قبضتيها وصاحت:

  • عمي، أنا…

لكن شتالينا لم يستمع إليها. سقط على المقعد، وأخذ يهز رأسه، ثم صرخ:

  • ابني الوحيد، ابني الحبيب.

ساد الصمت. لم تقطعه سوى أنفاس شتالينا الثقيلة المتقطعة، ودمدمة النساء الحزينة في ركن البيت اللواتي فرغن من توهن من أداء الصلوات على روح الميت. في هذا الصمت أدركت كاترينا زالتشيكوفا مدى خطورة التهمة، وانتبهت إلى الأمر. فمالت على الأرض وهى تطوق بيديها ركبتي شتالينا وصرخت بمرارة:

  • عمي! أعوز بالله! لست أنا، لست أنا.

لاذ بالصمت، وواصلت كاترينا قائلة:

  • كنت أحب يانو وكنت لأذهب معه حتى آخر العالم، لولا… صدقني!

لم يرد عليها.

  • عمي…!

بعد وهلة رد عليها بتشكك: كنت تحبينه؟ –

  • أقول لك، كنت لأذهب معه حتى آخر العالم، لولا…
  • آه!

همست في تردد: –

  • لقد كنت أعاشره.
  • كنت تعاشرين ابني يانو؟
  • نعم، كان يحبني وكنت أحبه، وتبادلنا القبلات.
  • تبادلتما القبلات…

نظر إليها باستغراب. أراد أن يقول لها شيئا لكن الكلمات لم تسعفه، هربت من على لسانه. ابتلع بصعوبة لعابه الثقيل الكثيف الذي وقف في حلقه.

2

في اليوم الثالث حملوه إلى جبانة مهجورة وصغيرة، ينمو فيها نبات القُرَّاص[1] وتفوح فيها رائحة زهرة البلسان. دقت الأجراس. كانت الغربان الضالة تحوم حول البرج، والغيوم تغطي السماء، وأصوات الصلوات تنتشر في الجبانة وترتد إلى الأرض بدون صدى.

وقف بيتر شتالينا أمام القبر محزون الصدر. ورغم أنه كان يحب ابنه أكثر من أي شيء في العالم، لم تسقط من عينيه دمعة واحدة. عبس وجهه وحنى ظهره: ظهرت التجاعيد طويلة على جبينه، وتملكه شعور رهيب لم يستطيع أن يتخلص منه، تحول إلى حقد أعمى على كل البشر. فهو لا يكن لهم سوى الكراهية، وهو يراهم يقفون من حوله وفي عيونهم المكفأة والمتكسرة من الحزن شفقة بلهاء. ود لو يقتلهم جميعًا.

[1] القُرَّاص: نبات ذو وبر شائك (المترجم)

في صباح أحد الأيام عندما كان أهالي قرية مالكوفا في طريقهم لجمع أخشاب الصنوبر وجدوه هناك – عشيق كاترينا زالتشيكوفا في الغابة، خلف طاحونة الجبل، يده اليمنى ملقاة على عينيه وكأنه يخشى النظر إلى الشمس. يسند بيده اليمنى خصره بطريقة لا تبدو طبيعية. في خصره ثقب أسود كبير. عندما رآه أهالي مالكوفا كان النمل يخرج من تحت قميصه، ويتجه نحو شفتيه المنسحبتين إلى داخل فمه.

أصابهم الذهول. شرع ستيفان هرين الذي كان أول من رآه يتلو الصلوات، وأخذ كروبا يردد: يا إلهي! يا إلهي!، أما يانو أولين الذي كان يسير خلفهم انصرف مذعورًا، عائدًا إلى القرية. وصل إلى بيت بيتر شتالينا وهو يئن من التعب، عيناه جاحظتان، وجبينه يتفصد عرقًا. دخل إلى البيت، ثم جلس على مقعد خشبي وأخذ يتمتم قائلًا:

يانو! الحق… ابنك!

كان بيتر شتالينا يضع أمامه أحد الأطباق، حيث كان يتناول فطوره. وعندما سمعه مسح فمه في كمه وسقطت منه الملعقة على الأرض.

ماذا؟

ابنك…

يانو؟

نعم

ماذا به؟

قال أولين وأسنانه تضطرب وتصطدم:

وجدناه مقتولًا.

عند سماعة هذه الكلمات بدا وكأن أحدًا ضربه بقبضة يده على صدره. قفز واقفًا، ثم صرخ مولولًا:

أين؟

خلف طاحونة الجبل… في الغابة.

سحب شتالينا معطفه من على الحائط، ثم ارتدى قبعته، وانطلق إلى فناء البيت، وقد نسى الباب مفتوحًا. في الفناء كان ينتظره مجموعة من الناس الذين تجمعوا من كل صوب وحدب. تجمعوا عند سور البيت، وعلت وجوههم علامات استفهام ولهفة لمعرفة ما يجري. ألقى عليهم بيتر شتالينا نظرة، وما أن رآهم وقد تسمروا في أماكنهم ينتظرون سماع ما يدور، صاح:

ابني الوحيد…

كان هذا كل ما نطق به حتى الظهيرة. صعد الجبل والناس يسرعون خلفه. ولما عجزوا عن اللحاق به، توقفوا وقد توردت وجوههم، وأطلت من عيونهم نظرات استغراب ودهشة. لم يسألوا عن شيء، بل واصلوا السير، وما أن وصلوا خلف طاحونة الجبل في الغابة حتى ازداد عددهم، وامتلأت عيونهم بالتساؤلات واللهفة لمعرفة ما يجري.

جاء صوت من الغابة: – أين هو؟

رد عليه صوتا آخر: – هنا

في النهاية رأوه يرقد في جدول ماء تحت شجرة صنوبر كبيرة مائلة. أزرار معطفه مفكوكة وقميصه ممزق، إحدى قدميه تحت جسمه وكأنه تعثر وهو يجري. وثب بيتر شتالينا عليه عندما رآه يرقد هكذا. احتضنه وانخرط في بكاء شديد.

كان نحيبًا، نشيجًا، بكاء ثقيلًا من رجل لم يعتاد البكاء. عندما سمعه الناس وهو يبكي هكذا، طأطأوا رؤوسهم، وترقرق الدمع في أعينهم.

أول من استفاق منهم كان ستيفان هرين الذي صاح:

يجب أن نأخذه من هنا.

وافقه الرجال وصاح أحدهم: نحن في حاجة إلى حمالة.

تردد في الغابة صوت ينادي: حمالة، حمالة!

انطلق الرجال، وبعد قليل عادوا ومعهم حمالة من عيدان الشجر.ثم وضعوا الجثة عليها وحملوه إلى البيت، حيث وضعوه على مقعد خشبي في الغرفة، وألقوا عليه الغطاء.

كانت كاترينا زالتشيكوفا التي كان يتردد عليها يانو شتالينا ترعى الماشية خلف أشجار الصنوبر في قرية مالكوفا. كانت تذهب إلى بيتها مرة أو مرتان في الأسبوع لتغير ملابسها، وتأخذ بعض الأغراض التي تحتاجها في عزلتها هذه عن العالم. في تكن تخطط للذهاب إلى القرية في ذلك اليوم، لكن شيء ما دفعها إلى تذهب اليوم. فجمعت أغراضها وذهبت إلى البيت قبل الظهيرة.

عندما علمت بما حدث لـيانو شتالينا. لم تصدق الأمر في البداية، ثم نزل الرعب في قلبها، وامتقع لونها، وانطلقت إلى بيت شتالينا.

كانت النساء تقمن الصلوات على روح الميت عندما دخلت الحجرة. لمحت عند النافذة أباه، السيد شتالينا وهو يسند رأسه في راحتيه، رأت نساء تجلسن في أحد الأركان وتبكين.

وقفت عند الباب مشدوه. لقد علمت بما حدث، غير أن ما تراه أما عينيها أصابها بالذهول:

فصرخت بصوت ملئ بالفزع: يا الهي! ماذا حدث يا عمى؟

رفع بيتر شتالينا رأسه، ونظر إليها بحدة، نظرة عميقة وكأنه يراد أن يطلع على ما في داخلها. فقد كانت رفيقة ابنه. كان يعرف ذلك، وكان ابنه يانو أشار له ذات مرة بأنه يريد أن يتزوجها. لم يكن يحمل لها سوى كل خير، لكن الآن وهو