logo-mini
موسم الهجرة إلى الجنوب

موسم الهجرة إلى الجنوب

بعد روايته الناجحة "كوكب جديد" (2015) يعود الأديب التشيكي مارتن فوبينكا (1963) إلى المستقبل في روايته الجديدة التي صدرت نسختها العربية تحت عنوان "موسم الهجرة إلى الجنوب".

2- ذات الحقيبة الحمراء

راح المطر ينقر فوق غطاء الرأس الذي اعتمره مارك، كان يعظ منذ لحظات في الناس، والآن صار مجرد عجوز بظهر محني، يتقدم ببطء في أحد الأزقة وسط أكواخ مهجورة، ويشعر بألم في مفصل قدمه اليسرى، فقد جسده قوته بعد أن بلغ الثانية والسبعين، تصر تحت قدميه رمال جرفتها الأمطار التي سقطت خلال العقود الأخيرة من الجبل، يومًا كانت هذه الأقدام العارية تمشي فوق أحجار حارقة.

لا يبعد البيت الذي يسكنه مارك كثيرًا. بلغه، وهناك لاحظ بالتفاتة سريعة إلى الخلف أن الفتاة التي جلست في الصف الأول تلاحقه، تتبعه، هؤلاء الفتيات على استعداد أن تعطينه أي شيء. كان يعرف أنهن يبحثن من خلاله عن رجل لم يعد له وجود، رجل لا يعرفونه، لقد أحبوا فيه إيلي. كان مارك يعرف هذا، رغم ذلك لم يمنعهم، شعر معهم بالسعادة.

لكنه الآن يشعر بالإرهاق أكثر من أي وقت مضى، ربما السبب هو الطقس البارد الذي عرف طريقه إلى مناطق البحر المتوسط، فضلًا عن قدوم الخريف.

لاحظت أنه يعرفها، لحقت به دون تردد وهو عند عتبته بيته: “أتسمح لي بالدخول؟”.

لمح في صوتها لكنه بولندية أو ربما أوكرانية، أيًّا كانت، لا يهم. كل واحد هنا يتحدث بلكنة مختلفة، كانت تعلق على كتفها حقيبة حمراء كبيرة، يبدو أنها ابتاعتها في المدينة. خبأت شعرها الفاتح تحت قبعة زرقاء؛ أذهلتْهُ نظرتها المباشرة له، كانت تعرف مقصدها بكل دقة، بدت هشة وسط المطر، لكنها لم تكن كذلك. أومأ لها: “ادخلي!”.

كانت النيران ما زالت مستعرة في المدفأة، ودفع الهواء الساخن الجاف مارك كي ينسى آلام الشيخوخة: “من أين أنتِ؟ هل أنتِ من أتباع بيتر؟”، سألها وهو يخلع معطف المطر: “لم أركِ هنا من قبل”.

  • “كنت أستمع إلى بيتر ذات يوم، لكني لست من أتباعه، أنا من سكان المدينة”.

نظر إليها في دهشة، وهي تخلع معطفها. رأى كتفيها الضيقتين، وانحناءات ثديين متوسطين. قال لنفسه: مِنَ المدينة إذن، هذه سمات أهل المدينة. ازدادت أعدادهم في الفترة الأخيرة. جاءوا، واستقروا فيها بعض الوقت، ثم عادوا إلى حياتهم السابقة مرة أخرى، لكن الناس تحدثوا عن أعدادهم المتزايدة هناك، وعن الجماعات التي يشكلونها. “هل أنتِ في إحدى هذه الجماعات؟”.

المستوطنة السّلافية في شمال اليونان، نوفي فينوهرادي، خريف 2168
1- موعظة تحت المطر

ظهرت سحابة داكنة ماطرة فوق الجبل تتوجه نحو الخليج، رغم الرياح القادمة من ناحية البحر تلطم ظهر مارك المحنيّ.

التأم الجمع واستقبل المجتمعون هبات الرياح بوجوههم، من المؤكد أن الخوف من سوء الأحوال الجوية المتصاعد قد سيطر على أفكارهم، لكن هبات الرياح ربما شتتت انتباههم.

تناقص عددهم اليوم لأن “بيتر” كان يلقي عظة في نوفي كارلين في نفس يوم الاجتماع.

راح مارك يستدعي فكرة المطر الذي يوشك أن يسقط، والخراب الذي تتضح تفاصيله يومًا بعد يوم، ظلت أعين كل من حضروا عالقة عليه، حتى تلك الفتاة التي جلست في الصف الأول ولم يرها هنا من قبل.

لم يشعر بأن لديه ما يخبرهم به، لكنه اعتاد على هذا؛ لم يقدر على الحديث، انتظروا كلماته التي علت أخيرًا: “ولذلك أنا على يقين بأن الله يسكنه، أراد أن يخبرنا بشيء من خلاله”. شعر في نفسه بالنفور هو يحكي، نفور قادم من كلمة “الله”. إيلي شقيقه، لم ينطق الكلمة على هذا النحو، لم يقل يومًا بكل هذا الوضوح إن من اختاره الله سيكون من البشر، لكن كيف سيتحدث عنه؟ كيف سيشرح الأمر لمن لم يروا وجهه من قبل؟

لقد تراءى وجهه لـ مارك كثيرًا، وجه أخيه الذي ولد قبل خمس وستين عامًا، وحملته له أمه ملفوفًا في غطائه، وقتها عرف مارك أنه ينظر إلى أحب الوجوه إليه، كان وجهًا صغيرًا، عينان مغلقتان، وجفنان مغمضتان بقوة، ورغم ذلك أثار دهشته، لقد نظر إلى نفس الوجه بعدها بثلاثين عامًا، بعدما تبخرت منه الحياة.

تجاوز مارك لَحْظة التأثر، وتقدم نحو الخاتمة. اقترب المطر سريعًا فوق سفوح جبل أخضر، لم تنبت فوقه يومًا سوى نباتات شوكية بحر أوسطية. كثير ممن جلسوا وسط مقاطعة بحرية صارت مأهولة بالسكان بعد أن كانت مهجورة تركوا أبواب مساكنهم مفتوحة، وحيواناتهم طليقة. حان موعد فض الاجتماع:

أنتم جميعًا على الطريق الصحيح، على الطريق الذي يجعلكم تفهمون هذه الرسالة. قال إيلي: العودة إلى الحياة من جديد، العثور عليها من جديد. قال إن الحياة تنبع من الطبيعة، ولا حياة في التقنية، وكل من استظلّ بالسماء فهو يملك الدنيا وما فيها، ومن لا يرى الشمس ولا السحب، كل من لم يشعر بالمطر يتساقط فوقه، لا يملك أي شيء، أما من أمطرت عليه السماء فقد نال كل هبات الحياة.

وهنا سمعوا حفيفًا فوق رؤوسهم، لم يكن صوت رياح ولا مطر. “طائر!”، صرخ أحدهم ساخطًا: “إنه طائر صناعيّ يحمل كاميرا!”.

استشاط الحضور غضبًا، مال شاب قوي البنية على الأرض يلتقط حجرًا، ويقذفه نحو السماء، لكن الحجر أخطأ الطائرة دون طيار، وسقط وسط الناس، لكنه لم يصب أحدًا منهم. حدث هرج ومرج، وراح كل واحد منهم يحمل حجرًا.