logo-mini
ممنوع اللمس!

ممنوع اللمس!

تعد هذه المختارت - وهى الأولى من نوعها في المكتبة العربية - إطلالة على الأدب السلوفاكي، الذي كان مستغلقاً لفترة طويلة على القارئ العربي. فقد عاش الأدب السلوفاكي فترة طويلة في ظل الأدب التشيكي، الذي تصدر الساحة الأدبية العالمية من خلال ممثليه، من أمثال “ميلان كونديرا “و فرانس كافكا”.

طوال اليوم تعبث في أحشائها. قامت بفصلها عن التيار الكهربائي، وتركتها تتخلص مما في داخلها من ثلوج. تخلصت من العديد من محتوياتها، ثم غسلتها بماء مخلوط بالخل. وانصرفت تشتري مادة لامتصاص الروائح. ثم اشترت مأكولات طازجة، وبدأت تتخذها صديقة لها.

وهكذا بدأت مرحلة جديدة في حياتها. لقد مر على هذا وقت طويل. تغير خلالها الكثير والكثير.

بدأ كل منا يشبه الآخر. ولا أرى في ذلك عيباً. فلا شيء يزعجني. عندي برنامجي اليومي. العمل، والمشتريات، والطعام، والنوم. هو من ترك المنزل، ولم يعد الأمر يعنيني. أحياناً نلتقي صدفة. فأنا لا أتجنبه.  ولو فعلت لكنت بذلك أؤكد لنفسي أن أمره يعنيني. لكنه ليس كذلك. في المرة السابقة قال لي أنني أبدو مثلك. كان يعتقد أنني سأشعر بالإهانة. أراد أن يحط من قدري. فهو لا يجيد شيئاً غير ذلك. ابتسمت له، وشكرته على المجاملة. الله  وحده يعلم، لماذا يسعى لإهانة زوجته السابقة. فمن المفترض أن يكون سعيداً مع زوجته الجديدة النحيفة، التي تتبع حمية، وتعد له الطعام الذي يحبه. ما الذي يجعله غير راضياً حتى يتعرض لي هكذا؟ فلم يعد هناك ما يربطنا ببعضنا. ألم يعثر على السعادة؟ لماذا يتذمر إذن؟ أهو يغار؟ لن أشغل بالي بالأمر. لكن يسعدني أن يكون كذلك. من الواضح أنه لاحظ أنني تقبلت الحقيقة، وأنني أنا -زوجته السابقة- أحب بالفعل شخصاً آخر، حتى وإن كان هذا الشخص عبارة عن شيء. لكنها ليست مجرد ثلاجة.

لماذا لا يمكن للمرأة أن تشبه الثلاجة؟ من قال إن هذه الملامح غير مناسبة؟ إن أمر لا يتعلق سوى بالشكل. مسألة إحساس. طوال الفترة التي عشناها معاً وأنا أتناول طعاماً صحيا، فأنا لم أكن أتناول طعاماً على الإطلاق. كنت أطهو له الطعام، ولا آكل منه. فقدت كثيراً من وزني، كي أعجبه وأنا مرتـدية ملابسـي، أو عاريـة، أو مرتـدية المايـوه، وفي السرير، أو عندما ألتحف المنشفة عند خروجي من الحمام. كنت أتمرن بقسوة، ترددت على صالة الألعاب للتدريب، ولعب الأيروبيك.

كنت أتابع ثنيات بطنه المنتفخة من شرب البيرة، وأخبط عليها بكل الحب والتفاهم. لكن هذا لم يجدي معه نفعا.

سأتناول ثمرة تين مكسوة بالسكر، وحبات المشمش المجفف. إنها رائعة. على الأقل ستجعلني هادئة. وإلا سأصرخ من الغضب. والأمر بالفعل لا يستحق.

بعد انصرافه من البيت صرت أظفر من الغضب. أسبه في غيابه، وصوتي يتردد في كل أنحاء الشقة. ربما لهذا السبب لم يلاحظ الجيران أنه هجرني منذ زمن. غير أنهم ربما لاحظوا أنه نقل كل ما في الشقة باستثناء الثلاجة. ذلك لأنه اشترى واحدة حديثة وبإمكانيات أفضل.

ذات مرة  وأنا وحدي في المطبخ مع “ميلوشكا”، وجدت

نفسي أصرخ. لقد أفزعك هذا يا “ميلوشكا”! توقفت عن العمل على الفور. صمتي. عندها صرخت وقلت: أتعتقد أن هذا لن يضايقني؟ بأن يكون عندك كرش من شرب البيرة، بينما أنا لا آكل؟ لا يجب أن أنزعج، أليس كذلك؟” عندها أدركت يا عزيزتي “ميلوشكا” أنك توقفتي عن العمل. فـرحـت أتـوسـل إليـك، أتذكـرين! رحـت أتوسـل إليـك

قائلة: “أعذريني، يا حبيبتي لأني صرخت فيكِ، فلا ذنب لكي فيما حدث. الإنسان أحياناً يصرخ بدون وجه حق في وجه الشخص الذي يحبه. فأنت تعرفين كل أسراري. لكن تعرفين جيداً أنني بحت لك بمكنون أسراري في أصعب لحظات حياتي، عندما هجرني. عندها لم يكن لي أحد غيرك”.

ساعتها تفهت الأمر، وبدأت تعملين من جديد بكل هدوء. فجلست عند الطاولة في المطبخ، وأخذت منك حلوى، ومعلقة صغيرة من الصوان، وبدأت أتناول الحلوى من غلافها الورقي. رحت تنظرين إلي بحنان ومواساة. من وقتها ونحن أصدقاء. تعاطفتي معي، ألسنا صديقتين؟ بلى، نحن صديقتان حميمان. لا تغار إحدانا على الأخرى. ونساعد بعضنا البعض.

ترعى كل منا الأخرى. أحاديث كثيرة دارت بيننا، وأسرار كثيرة بوحنا بها لبعضنا.

ألم أقـل لكي ما ذكـره لي ذلك الرجل؛ الذي عقد قراننا

في صالة الأفراح بعد عقد القران؟ ذلك النائب، نائب ما في البرلمان. كان يرتدي زياً مزركشا. لديه بعض شعيرات على رأسه، وحاول أن يصففها، لكن كان واضحاً أنه لم يتمكن من ذلك أبداً. وبما أنه لم يكن يرى نفسه، فقد كان راضياً عن نفسه. حاول أن يكون خفيف الظل، حيث أن أجواء الفرح يجب أن تكون مرحة. وجاء يسألني؛ أنا العروس التي ترتدي فستاناً أبيضاً، إن كنت أعرف الفرق بين العروس، والتقنية البيضاء. ابتسمت له ببلاهة، شأن أي عروس شابة، وجميلة، وحديثة الزواج. لم ينفع هذا يوماً ما. لكنني كنت دائماً أجرب أن أبتسم بسعادة وغباء. إلى أن أدركت الآن فقط، حيث لم يتبقى لي سواكِ، فتوقفت عن هذا. الإنسان يظل يتعلم طوال حياته. لكن حتى عندما توقفت عن ابتسامة السعادة البلهاء، لم ينفعني هذا في شيء. الأمر سيان. وعندما صمت للحظة، حيث لم أعرف كيف أرد على السؤال. قال لي موضحاً “لا يوجد فرق على الإطلاق”. ثم برقت أساريره. أما أنا فقد ابتسمت ابتسامة مُرّة. نعم، أعرف أن لديك خياراً محفوظ في سائل مُرّ قليلاً. سوف أتناوله. فكرة لا بأس بها. إن العروس لا تعمل بالكهرباء، بل بقوة نابعة منها. لم أتمكن وقتها من أن أكون خفيفة الظل. لكن زوجي ابتسم له حينئذ، ولم يتمالك نفسه من الضحك. كذلك ضحك الشاهد أيضاً. ضحكوا جميعهم، واستغرق بعضهم في الضحك. صمت جميع الحاضرين. سمعت هذا الصمت في ضحكهم هذا. لم تقوى امرأة واحدة على الضحك، ولا حتى أنا. هكذا تسير الأمور. كانت هذه بمثابة نبوءة لي. نبوءة لي ولزواجي. التقنية البيضاء. بيضاء كرمز النقاء؛ الغسالة، ومن بعدها الموقد الذي يجب تنظيفه على الدوام، والثلاجة، ثم غسالة الأطباق. لكنه أخذ تلك الغسالة معه حتى يعطيها هدية لزوجته التالية، كرمز للمساعدة والتعاون. الرجال يشترون غسالة الأطباق عندما يشعرون بتأنيب الضمير، أو عندما يشعرون أنهم سيكون عندهم ضمير يوماً ما. وليس عندي رغبة في امتلاك غسالة أطباق.

تكفيني أنت يا ثلاجتي الجميلة. ولا يزعجني أننا نشبه بعضنا يوما بعد يوم. بل هو شرف لي يا عزيزتي، يا أعز صديقاتي.

التكنولوجيا البيضاء
يانا يورانيوفا

ما هو الجديد عندك يا عزيزتي؟ خنزير مقدد، عجينة ثوم، سمك القد، حلوى! سأحتفظ بقديد الخنزير لأوقات الليل.

إنك صامته لا تردي. لا توجهين لي أية أسئلة. فقط تقدمين لي ما عندك وتعرضينه علي. كل رجل سيكون ممتناً لتعاونك واستعدادك الدائم. لكن أحداً منهم لا يعرف كيف يتعامل معك بحرص وحب. تعرفين؟! يجب أن تكوني حريصة دائماً على أن يكون عندك ما تقدمينه.

أنا وأنت صديقتان. صديقتان حميمتان. علاقتنا واضحة ونظيفة، علاقة بناءة وتتحلى بالشفافية. لا مكان فيها للأخذ والرد والحل والربط. كل منا راض بها. من لا تروق له مثل هذه العلاقة؟

أذهب إلى المتجر للشراء، أرمي أثناء ذلك الهموم وراء ظهري. أحضر بعدها المشتريات إلى البيت، وهذه أصعب مرحلة في الموضوع. لكن ما يسعدني هو فكرة أنني أقوم بهذا من أجلك ومن أجلي. فأنا لا أطعم بطن متدلية من شرب البيرة، عديمة النفع. فأنا لا أشتري البيرة على الإطلاق. المهم، أرص بعد ذلك المشتريات. أضعها أولاً على الطاولة، وأمتع نظري بتشكيلة المشتريات المتعددة. ثم أبدأ في رصها. أضع البيض في مكانه. واللبن في رف الباب الداخلي، ثم أضع في الجزء الداخلي: المايونيز، والزبد، وعجينـة الزبـد النبـاتي، والعجـائن الأخـرى، والسجق، والجبن، والمعلبات. أقوم بلف الحلويات بصورة جيدة، حتى لا تفسد. ثم أضع الخضروات الطازجة، والفواكه في المكان السفلي.  لا شيء يعلو فوق الطعام الصحي، بعد كل هذه اللحوم المقددة والمحفوظة…

وبعد أن أضع كل هذا في داخلك، أغلق الباب، وأربت عليكِ. هكذا رأيتهم يفعلون في أحدى الإعلانات. لكن الثلاجة تصرفت في ذلك الإعلان بطريقة مجنونة: أخرجت كل ما بداخلها، كل ما هو غير صحي، وتركت فقط نوعاً من الجبن؛ مائع وخال من الدهون تماماً. لكن إن كنا وصلنا إلى هذه الدرجة، فيمكن للإنسان بعدها أن يأكل صمغ الورق مخلوطاً ببقايا الممحاة التي يمحو بها التلاميذ الكتب في نهاية العام الدراسي!

لكنك لست مجنونة. أنت طيبة. وهكذا بعد أن أغلق جزءك العلوي؛ صدرك الذي تسكنه روحك وقلبك… بعد أن أغلق الباب العلوي إذن، أفتح خزانتك؛ الصوان. هنا في حجرة التجميد أرص بحرص أجنحة الدجاج. يملأني شعور غامر بالسعادة لمجرد أن أفكر في الطريقة التي سأحمرها بها، أو أطهوها بالمكسرات، وصلصة الصويا. جميل أن يكون عند الإنسان شيء يسعد به. بعد لحظة من المتعة أدخل الخضروات المجمدة، ومن بعدها الآيس كريم بالمكسرات. “إنه الأفضل على الإطلاق”. هكذا قال لي في المتجر ذلك الشاب، الذي أخذ يعبث في المنتجات المجمدة. كنت حائرة بين الآيس كريم بالفراولة، والآيس كريم بالكاكاو. لا أعرف السبب الذي جعلني أطاوعه. لكن تخيلي أنه كان على حق. قال لي: “لقد جربت كل شيء ولم يعجبني سوى هذا”، ابتسمت له برقة، ثم توجهت نحو الخزينة. لم أكن في حاجة إلى أن أتعرف على أحد بحجة الآيس كريم. من الواضح أنه قد زود ثلاجته مؤخراً، أو ربما ثلاجة الأسرة. حتى وإن كانت ثلاجته الخاصة، فأنا لا أرغب في أن أعيش مع ثلاجة شخص آخر، ما بالك بثلاجة رجل غريب. كما أنني لن أسمح لرجل أن يقترب منك يا عزيزتي. حتى لا يلتهـم ما بـك، ويزعجـك بكـثـرة تردده، أو أن يصـيـح في قائلا: أعطني هذا وناوليني هذا! لا، لن أسمح لأحد بأن يتصرف مع ثلاجتي الحبيبة بمثل هذه الوحشية.

لاطفت المرأة يد الثلاجة المخصصة للفتح، ثم لمست جنبها، حيث تضع عليه رسائل مثبتة بأشكال ممغنطة. رسائل كتبتها لنفسها: دم، كوليسترول، قلب، تناول الأدوية. كانت محبوبتها تتفهمها، وتذكرها على الدوام بأسلوب رقيق بأن تحافظ على صحتها. من حسن الحظ مازالت هناك حبات جيدة، تستطيع أن تقوم بهذا كله. ثم لاطفتها مرة أخرى.

همست لها قائلة: “لا يوجد رجل يستطيع أن يتعامل معك بمثل هذا الصراحة، ومن القلب للقلب مثلي. سأطهو القلوب بالقشطة يوم السبت. يصدر منك أزيزاً هادئا في مطبخي، وعندما تتوقفين يعم الشقة الهدوء، و لا أسمع سوى دقات الساعة، ونقيق صنبور المياه، وصوت تدفق الماء في حمام الجيران…”

منذ متى وهما وحدهما في الشقة؟ سبعة أعوام؟ كادا يكملان العام الثامن. بقيت في الشقة وحدها مع الثلاجة. باقي الأشياء أخذها من الشقة. كانت تنام على أريكة غريبة، تفزع أثناء نومها من حلم، لا تعرف ما هو. تشعر أن أرواح شريرة تسكن المنزل. باستثناء الساعة التي تدق في غرفة الاستقبال، كان الهدوء التام يسود المكان. كانت تسمع من وقت لآخر أصوات دقات في الماسورة، أو وقع أقدم أحدهم يمشي في الشقة الموجودة في الطابق العلوي. ثم تسمع صوتاً وكأن شيء قد سقط وانفجر ودوى. لم تستطع تفسير الأمر إلا فيما بعد. لقد كانت الثلاجة التي تعمل وتتوقف بشكل تلقائي هى التي تسبب تلك الأصوات.

عندما فتحتها بعد فترة من رحيل زوجها، أصيبت بصدمة. رائحة عفنة تفوح من كل شيء. فلم يأكل أحد في هذه الشقة، ولم يشرب لفترة طويلة. باستثناء بعض البسكويت الذي كانت تشتريه من كشك الجرائد، وهى في طريقها إلى العمل. كانت الثلاجة مازالت عامرة، منذ أن كانت تؤمن بأنه يحبها وأنها تحبه. راحت باسم هذا الحب تشتري له الطعام. كانت تخطط في ذلك الوقت أن تعد مأدبة غذاء بمناسبة عيد ميلاده، أو شيء من هذا القبيل. لا جدوى من تذكر هذه الأمور. على أية حال كان في الثلاجة الكثير من الطعام. “ميلوشكا” – في ذلك الوقت لم يكن لها اسماً – كانت عامرة ومثقلة بالمأكولات. فلم يفتحها أحد منذ مدة طويلة. ففي ذلك الوقت لم يكن زوجها هناك، ولم تكن تستسيغ الطعام. عندما أدركت أنها هى التي تصدر ليلاً تلك الأصوات الرهيبة والفظيعة، قامت بفتحها، وراحت