logo-mini
كافكا – الأعمال الكاملة

كافكا – الأعمال الكاملة

أنتولوجيا فرانس كافكا تضم مجموعة من القصص القصيرة والطويلة للأديب التشيكي الأصل ترجمت عن الترجمة التشيكية برعاية سفارة التشك بالقاهرة وصدرت في ثلاثة أجزاء

وبينما هو غارق في افكاره المتلاحقة، وعاجز على النهوض من السرير – دق جرس المنبه ليعلن السابعة إلا الربع – سمع طرقات حَذِرة على الباب القريب من السرير، ونادى الصوت – كان صوت أمه -: “(رشيهورش)! إنها السابعة إلا الربع. ألن تذهب إلى العمل؟”. ياله من صوت رقيق! فزع (رشيهورش) عندما سمع الصوت الذي أجابها به. إنه صوته الذي اعتاده من قبل، لكنه كان مصحوبًا بصوت زقزقة كبيرة قادمة من أعماقه، ومصحوبًا بألم. كان صوته في الوهلة الأولى واضحًا مع تلك الزقزقة، التي شوشت علي الكلمات، فلا يعرف الانسان إن كان قد سمع الكلام جيدًا. أراد (رشيهورش) أن يجيبها بإسهاب ويشرح لها الأمر. لكن إجابته في هذه الظروف كانت مقتضبة: “نعم، نعم يا أمي، شكرًا، ها أنا أنهض”.لم يكن ممكنًا عبر الباب الخشبي ملاحظة التغيير الذي حدث على صوته، فقد ارتضت أمه بتلك الإجابة وانصرفت. لكن الحوار المقتضب نبه باقي أعضاء الأسرة إلى أن (رشيهورش) مازال في البيت على غير المتوقع. وخبط أباه على أحد الأبواب المجاورة بضربة خفيفة من قبضة يده، وقال: “رشيهورش! رشيهورش! ماذا حدث؟”. وعاود الطرق بعد لحظات بطريقة أكثر إلحاحًا، ونادى بصوت أكثر عمقًا: “رشيهورش!، رشيهورش!”. ثم جاءه من ناحية باب جانبي آخر صوت هاديء ينتحب: “رشيهورش؟ هل أنت بخير؟ هل تحتاج إلى مساعدة؟”. أجاب (رشيهورش) في كلا الجانبين، وقال: “ها أنا قادم”، حاول جاهدًا أن ينطق الكلمات بوضوح، ويبعد عن صوته كل ما هو غريب بوقفات بين الكلمات. عاد أبيه لتناول طعام الإفطار، لكن أخته راحت تهمس، وتقول: “رشيهورش! افتح الباب، استحلفك بأعز ما لديك”. لكن (رشيهورش) لم يفكر في فتح الباب، وراح يثني على حرصه، فقد تعود أثناء رحلاته أن يغلق جميع أبواب البيت أثناء الليل.

كان يريد أن ينهض في هدوء وبدون إزعاج، ليرتدي ملابسه ثم يتناول فطوره، وبعدها يفكر فيما سيفعله. لأنه كان يعرف تمامًا أن الأفكار التي تراوده وهو في الفراش لا جدوى منها. تذكر أنه كثيرًا ما كان يشعر وهو في السرير بألم خفيف نتيجة نومه في وضع غير مناسب. وعندما يستيقظ بعد ذلك يكتشف أنه كان يُوهم نفسه بهذا التفسير، وهو الآن يريد أن يعرف إلاما ستأخذه أفكاره. فتغيُّر صوته لا يدل إلا على أنه مصاب ببرد شديد، وهو مرض التجار الرحالة. ولم يشك في تفسير كهذا على الإطلاق.

أزاح الغطاء بكل سهولة، كان يكفيه أن ينفخ فيه بفمه حتى يسقط. لكن ما دون ذلك كان ثقيلًا، خاصة وأن جسده كان عريضًا للغاية. كان يكفيه ساعديه وكفيه حتى ينهض، لكنه بدلًا منها كانت عنده أقدام كثيرة تتلوى بطريقة غريبة، ولم يكن قادرًا على التحكم بها. وكلما حاول أن يثني إحداها، تنفرد تلقائيًا مرة أخرى. وحتى عندما تمكن أخيرًا من أن يثني إحداها، تضطرب باقي الأرجل بشكل مؤلم وبصورة جنونية. قال (رشيهورش) لنفسه: “من العبث البقاء في السرير”.

حاول في البداية أن ينهض من السرير بالجزء الأسفل من جسمه الذي لم يراه بعد، ولم يتمكن حتى من تخيل شكله. لكن شعر أن هذا الجزء ثقيل للغاية، وتمكن منه ببطء شديد، عندما دفعه إلى الأمام بكل ما أوتي من قوة وهو غاضب، اختار الاتجاه الخاطيء، وارتطم بعارضة السرير الأمامية. فشعر بألم شديد، وعرف أن الجزء السفلي من جسمه هو أكثر أعضاءه حساسية.

حاول أن ينهض من السرير بالجزء العلوي من جسمه، التفت بحذر ناحية لوح السرير الأمامي، فتمكن من ذلك بسهولة، وتحركت كتلة جسمه العريضة الثقيلة ببطء في نفس اتجاه رأسه. وعندما برزت رأسه أخيرًا خارج السرير، وعَلِقت في الهواء، انتابه الخوف من التقدم بنفس الطريقة، فلو أنه نهض بهذه الطريقة، فالمعجزة وحدها هى التي قد تنقذ رأسه من ألا تتأذى. وليس عليه الآن سوى ألا يفقد ثقته بنفسه تحت أي ظرف، وإلا، فليبقى في السرير.

ولكنه عاد واستلقي في السرير بعد محاولات عديدة، واسترخى كما كان من قبل، ورأى مرة أخرى أقدامه الصغيرة وهى تتشاجر على نحو أعنف من ذي قبل. لم يكن ممكنًا التحلي بالهدوء والنظام وسط هذا الجنون، فقال لنفسه إنه من المستحيل أن يظل في السرير، ومن المنطقي أن يضحي بكل شيء طالما كان هناك أمل في أن يتحرر من هذا السرير. وراح يفكر ويمعن في التفكير المتعقل الهاديء بدلًا من أن يتخذ قرارًا يائسًا. في لحظات كهذه كان يشخص ببصره نحو النافذة، لكن النظر إلى شبورة الصباح التي تغطي الجانب المقابل للشارع الضيق لا تبعث على الكثير من الثقة والنشاط. قال لنفسه عندما رن جرس المنبه مرة أخرى: “الساعة الآن السابعة، أصبحت الساعة السابعة ومازال الضباب عالقًا”. ظل مستلقيًا وهو يتنفس بضعف وكأنه يتنظر أن يعيد الهدوء الكامل الأوضاع إلى طبيعتها وحقيقتها.

التحول (المسخ)

أفاق (جريجور سامسا) ذات يوم في الصباح من أحلام مزعجة، فوجد نفسه مستلقي على الفراش وقد تحول إلى حشرة وحشية. ينام على ظهر صلب كالفولاذ. رأى وهو يرفع رأسه قليلًا بطنه البنية المحدبة وقد انقسمت إلى أجزاء مقنطرة الشكل، فوقها غطاء بالكاد يغطي بعضها، ويكاد ينزلق من عليها. رأى أمام عينيه أقدام رفيعة لا تتناسب مع باقي جسده وتهتز بقوة.

قال لنفسه: “ماذا أصابني؟”. لم يكن هذا حلمًا. كانت حجرته، نعم حجرته التي بالكاد تكفي لجسد بشري، تقع بين أربعة حوائط تقليدية. توجد فوق الطاولة التي تبعثرت عليها عينات لبضاعة من الصوف الناعم – فقد كان (سامسا) بائعًا متجولًا – صورة اجتزها مؤخرًا من إحدى المجلات المصورة، ووضعها في إطار ذهبي جميل وجذاب. راح يتذكر سيدة ترتدي قبعة جلدية ووشاج جلدي، تجلس منتصبة القامة، وتُلبِس أحد المشاهدين فراءًا جلديًا ثقيلًا، واختفى ساعديها بين ثناياه.

وجّه (سامسا) ناظريه نحو النافذة ليطالع الطقس الكئيب. سمع طرقات حبات المطر وهى تتساقط على إفريز من الصفيح عند النافذة، فانقبض صدره. فكر في أن يواصل نومه، وينسى كل هذا العبث. لكنه لم يتمكن. فقد اعتاد النوم على جانبه الأيمن، لا يمكنه أن ينام كما يريد وهو في هذه الحالة. فكلما دفع جسده بكل قوة ناحية الجانب الأيمن، عاد مرة أخرى كما كان. حاول مرات عديدة وهو يغلق عينيه كي لا يرى سيقانه المتشابكة. ثم توقف بعدما شعر بوخز خفيف في جنبه، لم يشعر بمثله من قبل.

يا إلهي! يا لها من مهنة شاقة امتهنتها! أمشي في الشوارع كل يوم. إن مشقة العمل أصعب بكثير من العمل في البيت، فضلًا عن مشقة السفر، والتنقل بين القطارات، والأكل السيئ غير المنتظم، وعلاقات متعاقبة لا تتسم بالثبات ولا تتحلى بالعاطفة. اللعنة على كل هذا! شعر في أعلى بطنه بحكة خفيفة. جرّ ظهره على مهل نحو مقدمة السرير حتى يتمكن من رفع رأسه بصورة أفضل، فرأى مكان الحكّة. تناثرت عليها الكثير من البقع الصغيرة البيضاء. لم يتمكن من معرفة طبيعتها. حاول أن يلمس المكان بقدميه، لكنه سحبها على الفور عندما شعر بقشعريرة عند ملامسته له.

انزلق عائدًا إلى الوضع الذي كان عليه من قبل. راح يقول لنفسه إن الاستيقاظ مبكرًا يُصيب الانسان بالجنون. لكنه في حاجة إلى أن يأخذ حقه من النوم. تُجّار غيره تعيش حياة هانئة كالجواري في حريم السلطان. فمثلًا عندما أعود بعد الظهيرة إلى الحانة كي أكتب قائمة الزبائن الجدد، أجد هؤلاء السادة مازالوا يتناولون طعام الإفطار. كم أحب أن أجرب هذا الأمر مع رئيسي في العمل، إنه ليصعق لو سمع هذا. لكن من يدري، ربما لا يمكنني أن أُطيقه حياة كهذه. ولولا والدي لتركت العمل منذ زمن بعيد، ولذهبت إلى رئيسي، وأخبرته بكل ما يجيش في صدري، عندها قد يسقط من فوق المكتب المرتفع! أسلوب عجيب أن يجلس فوق المكتب، ويتحدث من هذا الارتفاع مع مرؤسه الذي يضطر إلى أن يقترب تمامًا من المكتب بفضل طرش رئيسه. حسنًا، لم أستسلم بعد تمامًا، مازلت انتظر حتى أجمع مالًا كثيرًا كي أدفع له ديون والدي – ربما استغرق الأمر عدة سنوات أخرى، ستة سنوات ربما – لكني سأفعله يومًا ما، وأحسم الأمر. لكن حتى ذلك الوقت يجب أن أستيقظ في الخامسة كي ألحق بالقطار.

نظر إلى ساعة المنبه الذي يدق فوق خزانة الملابس. يا الهي! إنها السادسة والنصف، وعقارب الساعة تواصل التقدم، ها هى تجاوزت النصف ساعة، وقاربت السابعة إلا الربع. هل المنبه لم يدق؟ يرى من فوق السرير أنه كان مُعدًا ليدق في الساعة الرابعة. من المؤكد أنه دق في ذلك الوقت. لكن هل كان ممكنًا تعطيل ذلك الرنين الذي يهز أثاث البيت؟ كلا، إن المنبه لم يتعطل، بل كان رنينه قويًا. وماذا سيفعل الآن؟ القطار التالي يأتي في الساعة السابعة. وكي يلحق به يجب أن يسرع، فتشكيلة البضاعة غير جاهزة بعد، وهو لا يشعر بالنشاط والاستعداد. لو أنه لحق بالقطار فلن ينجو من تعنيف رئيسه له، فعامل المتجر كان ينتظره عند القطار في الساعة الرابعة والنصف قد أبلغهم أنه لم يأتي. إنه رئيس متوحش، ليس له عزيز ولا عقل. ماذا لو أخبرهم أنه مريض؟ سيكون أمرًا مربكًا ومشكوك فيه. (سامسا) لم يمرض مرة على مدى خمسة أعوام في هذا العمل. وسيحضر رئيسه بالتأكيد ومعه الطبيب، وسيوبخ والديه بأن ابنهم كسول، وسيدحض أي حجة معتمدًا على رأي طبيب المتجر الذي يرى دائمًا أن جميع الناس يتمتعون بالصحة، ويرغبون فقط عن العمل. وهل عندها سيكون في هذه الحالة مذنبًا؟ شعر (رشيهورش) ببعض الخمول غير الضروري، والذي يحدث عادة بعد كل نوم طويل، باستثناء ذلك كان يشعر بأنه في حالة جيدة للغاية، ويشتهي الطعام.