logo-mini
قوة المستضعفين

قوة المستضعفين

كتب فاتسلاف هافل كتاب "قوة المستضعفين" في أشد عصور الشيوعية قسوة، يصف فيه ظهور النظام الشيوعي والذي يطلق عليه نظام "ما بعد الشمولية"، ويشرح طريقة عمل هياكله "ذاتية الحركة"، والصراع بين متطلبات النظام الحاكم وحاجات المواطنين اليومية

  • التاريخية الفهم الجيد للتناقضات الاجتماعية الآنية. هذا الفهم الذي خرجت من صلبه الحركة الأصلية، ومفاده وجود توجه بديهي إلى اغتراب مشين في مركز هذا “الفهم الجيد” نفسه. هذا الاغتراب الذي حمله تطور آخر، ولم يكن موجودًا بالأساس. من ناحية أخرى نما هذا العنصر على نحو عضوي نابع من طبيعة المرحلة. وحتى هو الآخر يحتوى على شيء يعد بمثابة “مرجعية” له.
  • السمة الأخرى تكمن في توارث الفكرة الأصلية “للفهم الجيد”، وهى السمة التي تميز نظامنا عن مختلف الديكتاتوريات الحديثة الأخرى: فهو يمتلك أيدولوجية أكثر اقتضابًا وتنظيمًا ومنطقية، أيدولوجية أكثر وضوحًا وتتميز بمرونة كبيرة ناجمة عن طبيعتها. تلك الأيدولوجية التي تتخذ رغم تعقيدها وانغلاقها طبيعة الديانة العلمانية: فهي تقدم للإنسان إجابة شافية على كل سؤال، ولا يمكننا تقبل هذه الإجابة بصورة جزئية، لكن قبولها يصل إلى أعماق الوجود الإنساني. مثل هذه الأيدولوجية تمتلك بالضرورة جاذبية فائقة في عصر أزمات المسلمات الوجودية والميتافيزيقية، في عصر الاجتثاث البشري والغربة وفقدان قيمة العالم: فهي تقدم للإنسان القادم “مُسَكنًا” سهل المنال: فيكفي تقبل الإجابة، وفجأة يصبح كل شيء واضحًا مرة أخرى، يصير للحياة معنى، وتختفي الأسرار والأسئلة والوحدة والقلق. مقابل هذا “المُسَكّن” الرخيص يدفع الإنسان الغالي والنفيس: يتنازل عن عقله وضميره ومسئوليته: طالما كان تسليم العقل والضمير لأيادي من هم يحكمون جزءًا لا يتجزأ من هذه الأيدولوجية، أي تطبيق قاعدة تماهي مركز القوة مع مركز الحقيقة (يتعلق الأمر في حالتنا بتبني الحالة القيصرية البابوية في النموذج البيزنطي، حيث كانت أعلى سلطة دنيوية هي نفسها أعلى سلطة روحية). صحيح أن مثل هذه الأيديولوجية فقَدت – على الأقل في معسكرنا – جزءًا كبيرًا من تأثيرها على الإنسان (خاصة خارج روسيا التي مازال يسيطر عليها القهر الفكري المرتبط بالتسليم الأعمى للسلطة، والتماهي التلقائي مع كل ما تقوله، كل هذا مصحوبًا بوطنية القوى العظمي، التي تكون فيها مصالح الإمبراطورية أعلى من مصالح الفرد). غير أن هذا الأمر ليس مهمًا، فهذا الدور الذي تلعبه الأيديولوجية في نظامنا (وسوف نتحدث عنه لاحقًا) تؤديه في الواقع بطريقة جيدة للغاية – لأنها بطبيعتها هذه قادرة عليه بالفعل.
  • يضاف بالضرورة إلى التصور التقليدي للدكتاتورية – فيما يتعلق بتقنية القوة – عنصر الارتجال؛ فآليات القوة ليست ثابتة على الدوام؛ فهي تمتلك كثير من إمكانات الاستبداد العشوائي غير المقنن؛ تظهر هنا أيضًا بيئة اجتماعية وعقلية وحتى واقعية لوجود بعض أشكال من المقاومة لدى السلطة. يظهر هنا ببساطة مزيد من مواطن الضعف التي يمكن أن تنفجر قبل أن يستقر هيكل القوة. لقد شكل التطور الذي صاحب نظامنا على مدى ستين عامًا في كنف الاتحاد السوفيتي، ووجوده لما يقرب من ثلاثين عامًا في دول شرق أوروبا (معتمدًا على بعض النماذج الهيكلية الجاهزة من روسيا القيصرية) شكل على العكس من ذلك – فيما يتعلق بالجانب “المادي” للقوة – آليات قوية ومتقنة للمناورة المباشرة والغير مباشرة مع المجتمع بأكمله، بحيث صار الأساس المادي للقوة يمثل اليوم قيمة راديكالية جديدة. لا يجب أن ننسى أن عزيمتهم تقوى في نفس الوقت بشكل كبير من خلال سيطرتهم على مقدرات الدولة وإدارة التوجيه المركزي لجميع وسائل الإنتاج، الأمر الذي يمنح هيكل القوة إمكانات غير مسبوقة وخارج نطاق السيطرة على أن تستثمر في نفسها (على سبيل المثال في مجال البيروقراطية والشرطة) ويُمكنها – كونها صاحبة العمل الوحيدة – من اللعب بمقدرات جميع المواطنين.
  • إذا اعتبرنا أن السمة المميزة للديكتاتورية الكلاسيكية هي الجأش الثوري والبسالة والتضحية والعنف المتأجج على جميع الأصعدة، فإن البقايا الأخيرة لمثل هذه السمة قد تلاشت من الحياة في الكتلة السوفيتية. فلم تعد هذه الكتلة تشكل جزيرة منعزلة عن باقي أرجاء العالم المتحضر، ومحصنة أمام كل ما يعتريها من أحداث. بل هي على العكس جزء لا يتجزأ من هذا العالم. تشارك في صنع مصيره على المستوى العام. هذا الأمر يعني على وجه التحديد أن منظومة القيم الحياتية تنطبق بالضرورة على مجتمعنا (كما أن التعايش المشترك على مدى قرون مع العالم الغربي يسرع من وتيرة هذا التطور) مثل باقي دول العالم الغربي المتحضر. الأمر يتعلق إذن بشكل مختلف من مجتمع صناعي واستهلاكي بكل ما يترتب عليه من تبعات اجتماعية وروحية يحملها معه. بغض النظر عن هذا البعد يصعُب فهم حتى طبيعة القوة في نظامنا.

إن اختلاف نظامنا السياسي الواضح – فيما يتعلق بطبيعة القوة – عن مفهومنا التقليدي لمصطلح الديكتاتورية يعد اختلاف كبير، حتى من منظور المقارنة الخارجية. هذا الاختلاف دفعني لأن أختار له تسمية مختلفة بغرض تدقيق هذا الأفكار. فلو اعتبرته نظام ما بعد الشمولية فهو بالتأكيد ليس مصطلحًا دقيقًا، لكني لا أعرف مصطلح أفضل منه. فكلمة ما بعد هذه لا تعني أنه ليس شموليًا. بل على العكس أريد أن أقول أنه شموليا بطريقة مغايرة تماماَ للديكتاتوريات “التقليدية” التي يرتبط بها في مخيلتنا مفهوم النظم الشمولية.

(1)

تواجه أوربا الشرقية فزاعة يطلقون عليها في الغرب “جماعات المنشقين”. هذه الفزاعة لم تسقط من السماء. إنها ظاهرة طبيعية، ونتيجة حتمية لمرحلة تاريخية معاصرة من نظام تواجهه أوربا. فقد ولدت هذه الفزاعة من رحم حالة اختفى فيها هذا النظام منذ زمن بعيد، ولا يمكن – لآلاف الأسباب – أن يتأسس على تعسف وحشي من قبل نظام حاكم، يُقصي كل خطاب يخالفه، نظام متحجر سياسيًا، إلى درجة تَحُول دون أن يصير هذا الخطاب فاعلًا في أجواء هياكلها الرسمية.

من هم هؤلاء “المنشقون”؟ ما الذي يدفع إلى ظهورهم؟ وما هو الغرض من وجودهم؟ فيما تكمن أهمية تلك “المبادرات المستقلة” التي تجمع المنشقين؟ وما هي الفرص الحقيقية لمثل هذه المبادرات؟ هل من المناسب أن نستخدم انطلاقًا من أنشطتهم مصطلح “معارضة”؟ إن كانت الإجابة بنعم، فما هي إذن هذه “المعارضة في إطار هذا النظام؟ كيف تعمل، ما هو الدور الذي تلعبه في المجتمع؟ ما هي آمالها ومقاصدها؟ هل في مقدور وإمكان هؤلاء المنشقين – كونهم أناس خارج هياكل السلطة، ويحتلون مركزًا متأخرًا من المواطنة – أن يؤثروا في المجتمع والنظام الاجتماعي؟

أعتقد أن التفكير في مثل التساؤلات، كالتفكير في إمكانات “الضعفاء”، لا يمكن أن ينطلق إلا من التدبر في طبيعة القوة، في ظل أوضاع يتحرك فيها هؤلاء “الضعفاء”.

 

(2)

يُعرّف نظامنا غالبًا على أنه نظام دكتاتوري. ديكتاتورية البيروقراطية السياسية في مجتمع سَوِي.

أخشى من أن هذا التعريف، أيا كان مفهومه، يزيد من غموض الطبيعة الحقيقية لهذا النظام أكثر من كونه تعريفًا يلقي عليها الضوء.

ما هو المعنى الكامن في هذا المصطلح؟

أعتقد أنه مرتبط في أنفسنا تقليديًا بمجموعة صغيرة نسبيًا من أفراد يستولون بالقوة في بلد ما على حكم الأغلبية. هذه المجموعة تؤسس سلطتها بشكل مباشر على وسائل القوة التي تمتلكها، والتي يمكن فصلها اجتماعيًا بسهولة نسيبة عن الغالبية المحكومة. يضاف إلى هذا التصور “التقليدي” أو “الكلاسيكي” للديكتاتورية بالبديهة افتراض أنها مؤقتة وسريعة الزوال من الناحية التاريخية، وغير متفق عليها. كما أن وجودها، كما يبدو لنا، مرتبط ارتباطًا لصيقًا بحياة الأشخاص الذين أسسوا لها. وتتخذ مداها وأهميتها حسب المكان الذي تنشأ فيه. حتى وإن كانت هذه الديكتاتورية تتخذ شرعيتها من أيديولوجيات مختلفة، فإن قوتها تنبع في الأساس من عدد وتسليح جنودها وأفراد الشرطة فيها. الخطر الأساسي الذي تمثله هو ظهور أحد ما، يكون مجهزًا من هذه الناحية بشكل أفضل، ويقوم بتنحية المجموعة الحاكمة.

أعتقد أن المشهد الخارجي للنظام الذي نعيش فيه يشير بالضرورة إلى أنه يشترك إلى حد كبير مع هذا المفهوم التقليدي للديكتاتورية، فهو نظام:

  • غير قاصر على مكان بعينه، بل على العكس، يسود في معسكر سلطة مترامي الأطراف، تحكمه واحدة من القوتين العظمتين المعاصرتين. ورغم أنه يتميز بخصائص مكانية وزمانية متعددة، فإن مداه محدد أساسًا في إطار منظومة تربط بين تلك الخصائص في كل أرجاء معسكر السلطة: إنه نظامًا مبنيًا على تلك القواعد، ويسير بنفس الأسلوب (أي أسلوب تطور القوة العظمى الحاكمة) في كل مكان، ويحظى فضلًا عن ذلك بشبكة منتشرة، في كل الدول، من أدوات المناورة في مركز القوة، ويخضع هذا النظام بالكامل لتحقيق مآربه. هذه الملابسات، في عالم توازن القوى النووية “المأزوم” تمنحه بالطبع استقرار خارجي غير مسبوق، مقارنة بالنظم الديكتاتورية التقليدية: فالأزمات المحلية العديدة التي قد تؤدي في الدولة المعزولة إلى تغيير النظام يتم حلها هنا بتدخل القوى من الجزء الآخر للمعسكر.

إذا اعتبرنا انتفاء المرجعية التاريخية جزءًا من الديكتاتوريات الكلاسيكية – حيث أن غالبيتها تظهر كمفارقات تاريخية، ونتائج عرضية لعمليات اجتماعية عشوائية أو انحرافات من البشر والجمهور-  لا يمكننا أن نزعم هذا نظامنا: فرغم أنه صار غريبًا في تطوره عن جميع الحركات الاجتماعية الأصلية التي ولدت من رحم خلفيتها الفكرية والاجتماعية، فإن أصالة هذه الحركات (أعني حركات العمال والحركات الاجتماعية في القرن التاسع عشر) تعطيه مرجعية تاريخية لا شك فيها؛ فهي أرضية صلبة يمكنه الاعتماد عليها، وخير من أن يكون تطوره المتدرج قد تأسس في واقع سياسي واجتماعي جديد تمامًا وموجود اليوم، أو أن يكون قد زُرِع في نسيج العالم والواقع المعاصر. يحسب على هذه المرجعية