logo-mini
عام اللؤلؤ

عام اللؤلؤ

تعد رواية عام اللؤلؤ واحدة من أبرز الأعمال الأدبية التشيكية في الألفية الثالثة بسبب موضوعها الذي نال إعجاب النقاد والجمهور على حد سواء. صار العمل محورًا أساسيا للمناقشات الأدبية فور صدوره

استيقظ بعد أن بهت سواد الليل، وغرق جسداهما وسط أصوات النهار الزاعقة، الرنانة مثل الموسيقى النحاسية.

  • لا أفهم. وما هو العكس؟ ماذا تقصدين؟
  • حسنًا، كوكاكولا باردة، وامرأة ساخنة[1]. هل تحب هذا؟

راحت تنتف شعيراته كلها بعد أن توقف عن الضحك، وتضع واحدة فوق الأخرى بكل حرص. وصنعت منها شعرة طويلة، طويلة جدًا. ثم انقضت عليه مع بداية يوم جديد، ومستهل مستقبل انفتح فجأة بعد أن كان محكمًا كقبضة اليد، لم تعلم عنه أي شيء قبل اللحظة. انقضّت على تلك الشعرة بحيوية، وعفوية. وكأنها قاطع طريق واثق من نفسه، ولا يعرف أن كل من حوله يترقبه.

في الصباح راحت تدمدم بلغة غريبة بعدما وضعت فرشاة الأسنان في فمها: “أتمنى أن يكتب لي أحدهم! فالقصص لا وجود لها”.

أخوض وسط الحشد. ميدان ضخم، وصالة قطار، وملاهي – أين أنا؟ كل منهم يغطي أذنه بهاتف محمول. نساء ورجال يتحدثون باستنفار، وبلهجة حادة. تعليمات مختصرة، ومعلومات تقدم في جمل جافة. مشهد غبي. لكني تخيلت ماكينة تقطيع كهربائية عملاقة، تتساقط منها الكلمات لتصنع شرائح لانشون بدلًا من وحدات لغوية ذات دلالة واضحة. ربما أني في مركز ملاحة فضائي.

أنتبه فجأة إلى أن هؤلاء الناس يتصلون ببعضهم هاتفيّا. كل منهم يتحدث مع الآخر عبر الهتاف. كلهم. إنها شبكة تواصل عجيبة: هذا يتصل بتلك، ورجل آخر يتصل برجل غيره، ونساء تتصلن بذلك الرجل، وأنا أتصل بكِ يا حبيبتي، لكنكِ تتصلين بها… لماذا لا نجرب أن نتحدث مع بعضنا مباشرة؟ فنحن قريبون من بعضنا. أجسادنا تتلامس، وأطراف أحذيتنا تلتقي عن قرب. تصطدم حقائبنا ببعضها، وأذرعنا التي علت وهي تحمل هواتفنا… نعم. كل منهم يتصل بالآخر. يتحدثون عبر الهواتف. أشعلوا جميعًا جهاز الرد الآلي لأنهم في الواقع لا يرغبون في أن يستمع كل منهم إلى الآخر، فالأمر لا يتعلق بالتواصل، بل بنحت رسالة للرد وكأنها حجر كريم. وإثبات القدرة على إيصال رسالة واضحة في أقل زمن ممكن. الرغبة في استخدام الكمات المختصرة. وحبس البشرية في جسد طفل، والفضاء في كرة جولف، كرات صغيرة، وقوية، وثقيلة كوزن الغول.

لا، لم أعد أرغب في الحديث معكِ. لقد أمروني بألا أتواصل معكِ، صرت حتى أشكك في وجودكِ بعد أن مر عام. لا أرغب سوى أن أترك لكِ رسالة في جهاز تسجيل الصوت. أعرف تمامًا أنها لا يجب أن تستمر لأكثر من دقيقة.

يعقوب! عمومًا، كانت تلك أول وآخر مرة أخونكَ فيها. فكرت فيها فقط من أجل “إيجور” – وأنت تعرف. عشيقي الذي التقيته صدفة صب الكوكاكولا على صدره، وصببت أنا في جوفي خمرًا جيدًا بصورة استثنائية، ولاذعًا بصورة استثنائية. فشربت منه كمية استثنائية. هذا الاستثناء الثلاثي جعلني ألاطفه في الفراش بكلمات سوقية. اصطدمت بـ”إيجور” قبل ذلك بيوم واحد عند مدخل العمارة بجوار المصعد. وكالعادة، انتظر إلى أن انصرفت “زدينا” إلى العمل، وذهبت الأطفال إلى المدرسة كي يتمكن من القيام برحلته اليومية إلى القبو دون أن يزعجه أحد. صارت كل أماكن الاختباء في الشقة معروفة للجميع: الفراغ القابع خلف صفوف الكتب، أو تحتها، الخزان الصغير في المرحاض، حذاء الصيد ذو العنق الطويل (التي كان يرتديه عندما كنتما تذهبان معًا للصيد)، حتى ذلك الصندوق الخشبي الذي يضم مشهد العائلة المقدسة، وزينة عيد الميلاد. الإدمان دائمًا يدعو إلى الابتكار الشيطاني، يدفعك إلى أحد الأركان، ويقبض عليكَ بقوة إلى أن تتفجر في داخلك ينابيع الخيال. قدرة ضخمة، لكنها ليست بلا حدود. أنا لا أهذي. الأمر كذلك بالفعل. وأنا اليوم واثقة من هذا. لكن ماذا بعد القبو؟ ماذا سيحدث بعدها؟ إلى أين سنظل نسقط، إلى أي كهف، أو مغارة، أو دهليز؟ إلى أية حفرة، وأية أعماق تحت البحار؟ إلى أين سنظل قادرين على أن ننغمس في شهواتنا، ونغوص بأسرارنا اللعينة؟

لم يكن “إيجور” مضطرًا إلى أن يشغل باله بكل هذا. قال: “مرحبًا “لوتسيا”، ثم قبلة بطعم حبات النعناع.

من ذا الذي أراد أن يخدعه بهذه الحبات؟ رائحة عفونة تفوح من فتحات وسط رائحة نفسه الفواح.

“مرحبًا يا جوده!”. كان “جودة ماسلوفيتس” يلقي التحية على كل معارفه، وكانوا يبادلونه إياها.

ارتبك، وأخذ يرفع سرواله المنفلت، المثني حول خصره. ظهر عليه شعور بالذنب مثل أي مدمن للخمر.  من الواضح أن لقائي به أزعجه لأني أعقته وهو في طريقة إلى الخمر الموجود في القبو. خمر يتلألأ مثل عجل الذهب في صندوق كان للتلفزيون. وضع يده في جيب سرواله الخلفي بعد أن اعترته حالة إلهام مباغتة.

“اسمعي! افردي معصمكِ، أو ساعدكِ، أو لا أدري ما اسمه”.

فردت ذراعي بكل إذعان، ولممت أكمامي. قد لا أندهش لو أنه أحضر قدري الكائن في الصندوق، وطعنني به في وريدي مباشرة. لكنه سحب ذراعي إلى شفتيه بكل هوادة، ولعقه بلسانه عدة مرات. ثم وضع فوقه ملصقًا، وضغط عليه بشدة… ظهر الفأر “ميكي” فوق جلدي عندما أزال عنه وريقة صغيرة.

[1] ساخنة تعني بها مثليّة (المترجم)

قالت له:

  • علمني كل الكلمات البذيئة

هل نَسِيَت تلك المرأة المختلة عقليّا التي كانت تردد كلمات بذيئة ذلك اليوم على جسر الملك شارل؟

اتكأ القمر بذقنه المستدير على سور الشرفة، وأخذ يرمق جسدها العاري، بريء مثل طفل مصاب بالبلاهة المنغولية.

  • علمني كل الكلمات البذيئة، علمني أسوأ الكلمات السوقية التي تعرفها.

أجابها وهو يقهقه:

  • وما حاجتكِ إليها؟ أتبحثين عن شيء جديد في عامود اللغة الذي تكتبينه؟ ستجدينها في المعجم.

استدارت نحوه بظهرها… ووضعت رأسها في راحتها. في تلك اللحظة أولج فيها قضيبه، بنفس الطريقة التي تخيلَتها منذ لحظات.

  • أنتَ تعرف أني لن أجدها في المعاجم.

نشأت في أسرة لأم مثقفة. ولم تكن الكلمات التي تخرج من فمها في مرحلة الصبا، في أجمل لحظات النشوة القليلة، قادمة من عقلها الباطن، بل من تلك الكتب فوق أرفف المكتبة.

مدت جسمها من فوقه، وصوبته نحو الطاولة، وقالت:

  • أعطني هذا من فضلكَ.
  • ورقة وقلم؟ هل حان وقت كتابة الوحي؟
  • كلا، أعطني الآلة الحاسبة.

نقرت على بعض الأرقام وهي تتابع باهتمام ذلك المستطيل المضيء الذي يحاكي استدارة القمر. اتكأ على مرفقيه بفضول، وقال:

  • شيء لا يصدق.
  • هذا البيت مكون من إحدى عشر طابقًا. وفي كل طابق سبعة شقق. هذا يعني أن هناك ما يقرب من مئتين وثلاثين شخصًا ينام معنا الآن في هذا البيت.
  • وهل هذا أمر يحتاج إلى آلة حاسبة؟
  • أنا أحسب النقود دون الحاجة إلى آلة حاسبة. لكن الأمر ذاته لا ينفع مع البشر. أف.. شيء مقزز. أنا لا أريد أن أنام في مكان به مئتان وثلاثون شخصًا.
  • والآن تخيلي أنهم كلهم من شهود يهوه، أو ملحدون.
  • أو شيوعيون.
  • حسنًا، لكنهم ليسوا جميعًا نيام.

سألته باهتمام:

  • وماذا يفعلون إذن؟
  • يبكون، ويتقيؤون في المرحاض لتر الخمر الذي شربوه، أو ينكحون بعضهم كما نفعل نحن الآن، أو يغيرون الحفاضات للأطفال، أو يسبون ويلعنون بعد أن طال أرقهم. أما ذلك العجوز السكران الحقير في الطابق الأرضي فيزحف على الأرض نحو الهاتف كي يطلب عربة إسعاف، لأنه يشعر بألم شديد جاثم فوق صدره، ويمنعه من التنفس. إنه الوقت الذي لا يوجد فيه في شوارع براج شيء غير سيارات الأجرة وعربات الإسعاف، وسيارات نقل الموتى.
  • العجوز السكير لا يقيم في الطابق الأرضي. “إيجور” صديقي هو من يسكن هناك. لكنكَ محق. إنه مدمن خمر عتيد.

ثم أضافت بصوت متهدج بعد أن وضعت الآلة الحاسبة في الظلام أسفل الوسادة

  • اصمت.. من فضلك. ها نحن وحدنا من جديد.

ابتلعته في جوفها، ثم تنهدت وقالت:

  • “دولي بوستر” تقول إن هذا هو أفضل كأس خمر على الإطلاق. لا أعرف.

عضها في يدها مثل ذئب.

عثرت ذات مرة وهي صغيرة على صورة فوتوغرافية مجتزة من أحد الكتب عند حاوية القمامة. أعجبتها صورة الرجل، فاحتفظت بها في المقلمة. صاحت الرفيقة، مدرسة الفصل، بعد أن تعرفت على وجهه:

  • إنه “جاك لندن”.

كانت مغرمة بطريقته الأدبية النموذجية. أضافت:

  • لكن هذا ليس المكان المناسب لـ”جاك لندن”. إنه مكان لجدول الحصص.
  • مغرمة!
  • ماذا؟
  • لقد قلتِ للتو كلمة مغرمة.
  • كنت أحب “جاك لندن” في صغري.
  • أمر مألوف للغاية. لكن جاك السفاح كان أكثر صدقًا من غيره، نظرًا لميوله السادية. وكان منطقيّا من الناحية النفسية.

أضاءت المصباح. ارتسمت الجدية على وجهها كما فعلت منذ لحظات مع الآلة الحاسبة، وأخذت تتابع بكل اهتمام آثار أسنانه على ذراعها.

  • لا أعرف من منا هو السادي. أليس من الواجب أن نقدم له يد العون؟
  • لمن.. بالله عليكِ؟
  • لـ “إيجور” في الطابق الأرضي.

سحبت نفسها. قطعت الهدوء فرقعة غطاء علبة كوكاكولا التي فتحها للتو، وتبعثر سائلها الأسودة اللزج على جسده، وكأنها استمرار لحالة الظلام وسط مجموعة السوائل.

  • هل صرخت كثيرًا وأنتَ تضاجعني؟
  • عادي. لم أنزعج من الأمر. لا أحب الكوكاكولا الساخنة، ولا النساء الباردة.
  • كان شيئًا غريبًا جدًا.

سألت بعد لحظات، وهي تستسلم للنوم.

  • وماذا لو كان الأمر عكس ذلك؟