logo-mini
سرادق طائر البطريق

سرادق طائر البطريق

التجوال، عادة أوروبية شهيرة، بدءًا من المشي في المنتزهات والحدائق والغابات وانتهاءً بالسفر، تحول التجوال طبقًا للمفهوم الأوربي إلى عمل سحري يربط بين الرياضة والتأمل، وبين صخب الحاضر وجعجعة حيوانات منقرضة، إنه فرصة للعتاب المتبادل وإشباع الفضول والترويح عن النفس بسرد الذكريات وتبادل النكات والنوادر

لماذا لم يستطع طاقم كورسكا مغادرة الغواصة؟

قال أبي وهو يراقب خطواته:

ـ أخبرني، لماذا دائماً تسألني ما الجديد؟ إنه سؤال صعب، من أصعب الأسئلة. ربما لو سألتني كيف حالك، لعرفت كيف أجيبك…

ـ إذن كيف حالك؟

ـ حالي سيئ، لكن الجديد هو اختفاء إنسان الغابة منذ أيام. فإدارة الحديقة استعانت ببعض الطالبات اللواتي لم يكن يُحكمن إغلاق القفص بعد إطعام الحيوانات، في النهاية اختفى إنسان الغابة. لذلك بدأنا البحث، فتشنا عنه في كل أرجاء الحديقة، ركنًا ركنًا، بحثنا في كل أجمة، فلم نجد له أثرًا. في النهاية اتصل مدير الحديقة برجال الشرطة. لكن الشرطة لم تعبأ بالأمر، فواصلنا نحن البحث. ومع بداية اليوم الثالث من البحث أصاب الجميع اليأس، إلى أن انتبه شخص ما اسمه “توندا سينور”، كان يقوم بإعداد الطعام للقرود، إلى أنه عندما ذهب إلى الحمام أمس الأول، كان يضع على الطاولة زجاجة بها لتر من النبيذ، وعندما عاد وجد الزجاجة في مكانها فارغة، رغم أنه لم يكن قد شربها بالكامل. فراحوا يفتشون بعناية في قبو أسفل مخزن المؤن، فعثروا فيه علي إنسان الغابة. كان نائمًا في هدوء أسفل كومة من لحاء الخشب. فأيقظوه، وأخذوا عينة من دمه، فتوصلوا إلى أنه هو من شرب زجاجة النبيذ… اللعنة، يبدو أنها ستمطر!…

تجولنا في المنتزه حيث يجوب فيه، وسط مسطحات الحشائش الخضراء، رجال في سن الخمسين فوق زلاجات ذات عجلات، حليقو الشعر، بشرتهم سمراء من الشمس، وأشكالهم تثير الريبة. كانوا يطاردون الكلاب. كانت أضواء مصابيح إحدى الثريات تشع من نوافذ مقر إقامة المسئول عن الحديقة فوق التل، رغم أن الساعة لم تكن قد جاوزت الرابعة ظهرًا.

قلت لأبي:

ـ عندما نعبر ممر المشاة هناك سوف ندخل في ممر صغير، ثم نصعد إلى أعلى، ونصل إلى منطقة المحمية الطبيعية بالمنتزه.

ـ وماذا سنفعل هناك؟

ـ توجد حانة هناك.

رد أبي قائلاً:

ـ حسنًا، هيا بنا. أنا لا أعرف أن هناك حانة، من الجيد أنك تعرف هذا المكان. أيضًا في إحدى المرات، انفلت الشمبانزي ولم نستطع العثور عليه، ولم ترغب الشرطة في أن تورط نفسها في الأمر. رغم أنها استجابت على الفور عندما اتصلت بهم إحدى السيدات التي تقيم في منطقة ترويا، وأخبرتهم بوجود شاب سكران يرقص ويقفز في الهواء فوق سطح العمارة المقابلة، وطلبت منهم أن يفعلوا شيئًا معه قبل أن يقتل نفسه. وعلى الفور توجهت الشرطة إلى هناك. تخيل، ماذا وجدوا؟ لم يكن شابًّا، بل كان الشمبانزي الذي هرب من الغابة، وأخطأت المرأة عندما اعتقدت أنه أحد الشباب. لكنه كان يتراقص بالفعل قبل أن يمسكوا به ويعيدوه إلى القفص. مسكين! الشرطة بارعة في إزعاج المواطنين، لكن عندما يتعلق الأمر بحيوان مسكين كهذا… انظر، إن الببغاوات تسرق. فماذا تفعل الشرطة حيال ذلك؟ صحيح أنها أعادت تلك النملة…

– عن أية نملة تتحدث؟

– ألا تعرف حكاية النملة؟

– لا أعرفها، أخبرني بها.

لكني حدثتك عنها من قبل، أليس كذلك؟ اختفت نملة كبيرة كانت تقف على رقعة الحشائش التي تراها وأنت تصعد باتجاه حظيرة الدببة. اختفت ولم يعد أحد يراها. وفجأة عثروا عليها بعد مرور عام في إحدى الحظائر التي يتعاطون فيها المخدرات. لم يكن الأمر نتيجة بحثهم عنها، بل عثروا عليها صدفة أثناء حملة للشرطة على هؤلاء الشباب. يُقال إنهم أخفوها في مكان ما في الحظيرة التي يتعاطون فيها المخدرات، ربما كان هؤلاء الصبية يُصلون لتلك النملة أو شيء من هذا القبيل. وفي كل حملة للشرطة كانت تلطّخ النملة نفسها بمختلف الألوان. فسكبنا عليها مزيل ألوان ونظفناها بالفرشاة.

توقف أبي وأطال النظر في أجمة للغاب نمت على شاطئ إحدى البحيرات الطينية.

تقول من؟

أرهف عجوز جالس عند بوابة الدخول أذنيه دون أن ينظر إلىّ. كان منهمكًا في تقطيع شيء ما، ورصِه على ورقة ملطخة بالدهون.

كررت له الاسم قائلًا:

ـ أريد السيد باناش.

ـ ومن يكون؟

ـ إنه موظف عندكم.

مد لي سماعة الهاتف، دون أن ينظر إليّ هذه المرة أيضاً، وقال:

ـ اتصل به.

صحت في الهاتف المتّسخ:

ـ مرحبًا يا أبي.

ـ مرحبًا، انتظرني عندك من فضلك، أنا الآن في جولة، وسوف أصل بعد أقل من ساعة، اذهب وشاهد الثعابين إن أردت حتى أحضر.

أجبته:

ـ حسنًا.

دس العجوز في فمه قطعة من لحم الخنزير المقدد، وراح يلوكها بين أسنانه بقوة. اتجهت نحو السرادق المخصص لطائر البطريق، وانصرفت إلى الداخل. كانت الطيور ذات اللونين الأبيض والأسود تتهادي وهى مصطفة في طابور على حافة حوض السباحة الحجري. خرج أحدها من الطابور، وألقى بنفسه في الماء بجنبه. فتبعته على الفور بقية الطيور، وراحت تسبح تحت الماء مثل طوربيد آلي. قررت قرر أحدها أن يطفو فوق سطح الماء، فتدافعت باقي الطيور خلفه، واصطفت في طابور واحد، وراحت تكرر المشهد من جديد. فدائما ما يبدأ أحدها، وفي أقل من ثانية، وقبل أن يلمس جسده الماء تكون باقي الطيور في أثره. راحت الطيور تكرر هذا المشهد باستمرار على مدى ساعة كاملة قضيتها هناك. كنت أود أن أبقى هناك ساعة أخرى أشاهدها، لكن وقت العودة كان قد حان.

وقف أبي ساكنًا أمام البوابة. كان الجو مازال صيفًا، رغم ذلك كان يرتدي معطفًا للمطر وقبعة بالية، بها حافة ناتئة، كان يطلق عليها “الأمير هاينريخ”. كان أبي قد تقاعد منذ عدة سنوات، وظل يعمل كمرشد في حديقة الحيوان في وظيفة إضافية. كان يرافق الرحلات المدرسية، والرحلات القادمة من مدينة أوستي نادلابم، ويرافق كذلك مجموعات متخصصة لمتقاعدين قادمين من هولندا. كان يشرح لهم بمقابل زهيد عن حياة عجول البحر، والنو الأفريقي، وينتظرهم حتى يفرغوا من لهوهم عند قفص القرود. استشعرت فزعًا وأنا أرى الشعر الأشيب ينتشر في رأسه خلال بضعة أسابيع فقط.

صحت به:

ـ مَرحبًا.

أجابني وهو يتطلع إلى قمم الأشجار:

ـ مرحبًا.

سألته:

ـ ما الجديد؟

أجابني:

ـ لا جديد تحت الشمس منذ أكثر من ملياري عام. كل ما في الأمر أشكال مختلفة لأمور مثل الكربون والهيدروجين، والأكسجين، والنيتروجين.

انصرفنا للتنزه. رُحنا نجوب حديقة قلعة ترويا، ثم عبرنا جسر المشاة. هناك بصقت في مياه نهر فلتافا الراكدة. ثم عبرنا جزيرة القيصر حتى وصلنا إلى جسر آخر للمشاة، بصق أبي من فوقه بلعابه الأبيض في إحدى القنوات النهرية حيث المياه راكدة لا تتحرك. ثم وصلنا إلى ساحة المنتزه.