logo-mini
راقصة الخيل

راقصة الخيل

قصة التكوين والصداقة ومعرفة البشر تحت كل قناع نموذج إنساني آخر وتحت المتسلط الشيوعي والتاجر الرأسمالي شخصية واحدة مستغلة، شخصية تتاجر بالأيديولوجيا لتنعم انتهت سيطرة الحزب وأتى عهد سيطرة الرعاة وانتهى الحلم الديموقراطي في سلوفاكيا إلى حسابات بنكية، وأصبح الرفيق المدير رجل أعمال

أتذكَّرُ كل شيء. أتذكَّر ضربات قلبي المكتومة، والماء الدافئ الذي أتأرجح فيه على إيقاع تلك الضربات. ضوء أحمر اخترق أنسجة البطن، ودغدغ عيني التي لم يكتمل نموها بعد. رحت أسبح في ماء الرَّحِم، أحيانًا أَعْلَق بجداره، مثل سمكة سلّور على جدار حوض السمك. ابتسمت أمي وقتها، فتسرَّبتْ إلى سروالها الداخلي بعض قطرات البول. ما زلت أتذكر ذلك الأمر جيدًا. أتذكر ذلك الشعور بالأمان المطلق، والاتساق الكامل. أصوات مكتومة. سائل الرحم بمذاق البرتقال. ربطَنا معًا حبل سُرِّي واحد. أفضل قناة اتصال في الكون كله. كانت أمي امرأة على قدر المسئولية. كنت أشعر بأني قدَرها. لم تشعل سيجارة واحدة على مدى تسعة أشهر كاملة. فكبرت وأنا أختبئ في كهف دافئ، حتى تصل ساعتي إلى منتهاها، ويحين موعد وصولي. في ذلك الصيف توالد الكثير من الذباب، وسمعتُ طنينًا خفيفًا يصلني في بطن أمي. وفجأة راح الرحم يهتزّ. ضغطٌ على بطنها يدفعني خارج عُشّي. شعرت وقتها بالخوف لأول مرة. اعتصرني الرحم في داخله، وأجبرني على الدخول في أنبوب ضيق لزج. رحت أقاوم في البداية، لكن جاءني رجاء أمي أن أخرج من بطنها أخيرًا. انْسَدَّ أمامي طريق العودة، فدسست رأسي في القناة، ووُلدت في يوم حارّ. كنت منتبهة إلى كل شيء. سيراميك أبيض، ونظرة طبيب مهدود القوى يقول بجفاء: “إنها فتاة”! ضربني فوق ظهري، وسلَّمني لامرأة تقف بجواره. انفجرتُ في البكاء. اخترق رئتي هواء مفعم برائحة المطهّر فشعرت بالألم. أخذت الممرضة تتفحص جسدي لتتأكد من أن كل شيء في مكانه، ثم غسلت جسمي، ووزنتني، وطوقتني بلحاف للرُّضَّع. انتهت ولادتي، وصرت كاملة النمو، وعلى أكمل وجه. مولود معافًى تمامًا. قادر على أن يجابه الحياة فوق هذه الأرض. ثم وضعتني الممرضة فوق نهد أبيض، طيب الرائحة. رحت أمتصُّه بكل نَهَم. شعرت بطعم اللبن الحلو فوق لساني. نظرت حولي، وواصلت ارتشافه. رأيت ذبابة زرقاء ضخمة تجلس على زيّ الممرضة الأبيض الناصع، وتنظف أقدامها الأمامية.

وضعوني لاحقًا في قفص أبيض، وصار جسدي موثقًا بالأربطة. وحيدة. لا أسمع ضربات قلب اعتدت عليها. لا أسمع سوى بكاء. أيادٍ غريبة كانت دائمًا تضعني فوق عربة بيضاء بالية، وتأخذني إلى ذلك النهد. هكذا أصبح عالمي. صدر، وحلمة، ولبن. كشفت أمي عن أسنانها. عينان تفجرت أوردتهما، وشفتان مبللتان فوق رأسي. ورائحة لا تخطئها أنفي. مقتطفات من العالم راحت تُسجَّل في عقلي الخاوي. داهمني النوم وأنا أمتص اللبن. تَفْرَغ معدتي فأصرخ. لفَّتْنِي أمي ذات يوم في غطاء أصفر، وحملتني نحو ضوء قوي، ووضعتني في عربة صغيرة. يتأرجح بقوة فوق رأسي ببغاء أحمر بعينين منتفختين، فشعرت بدوار. مشت بي طويلًا، إلى أن وضعتني من جديد في القفص. ومالت عليَّ سيدة وقالت بوجه يبتسم، تفوح منه رائحة الثوم: “نور عيني!”. هكذا تعرَّفت على جدتي. نمتُ في سرير صغير مع دب كثيف الشعر. كنت مجرد كائن لا حول له ولا قوة. عاجز عن الحركة. غير قادر على التحكم في يديه أو قدميه. وصوتي! يكاد يعصف بأذني. نظرة محايدة ارتسمت على وجه الدب. كانت تتملكني سعادة غامرة كلما مال عليَّ رأس إنسان. رأس صغير، وشعر أسود فاحم، وعينان زرقاوان واسعتان تبتسمان لي. إنها أمي. تفوح منها رائحة اللبن. تحدثت بكل الحب عن جمالي. شعر المرأة الأخرى التي كانت تقترب مني كان أصفر مائلًا للبياض، وفوق عينيها خطوط سوداء طويلة. إنها جدتي. عرفت لاحقًا أن تلك الخطوط حاجبان رسمتهما بقلم حواجب رخيص اشترته من متجر مستحضرات التجميل.

أجلس فوق دكَّة متهشمة، بالقرب من مَرعى الخيل، في وقت الأصيل. أشعر بماء في الهواء. أمطار خفيفة بدأت تتساقط، وكأن أحدهم يرش شجيرات جوزة الطيب فوق رأسي ببخّاخة ماء. هدوء يلف المكان. وفحل أبيض يحفُر في أرض المرعى بحافره القوي. فحل ثائر متوحش. أحيانًا ينطلق في العَدْو وهو يصهل باهتياج. ينادي على أشقائه الذين أغلقوا عليهم الإسطبل منذ ساعات بعد أن نظفوها. صار وحيدًا. وأنا أيضًا وحيدة. أنظر إليه وأنا على قناعة بأني أثير أعصابه، ففحول الخيل لا تحب السيدات العجائز. وأنا أيضًا لا أحب نفسي. تلمع قطرات الماء فوق يد ملطخة ببقع الكهولة، وتبدو وكأنها حبات لؤلؤ شفافة لا تليق إلا بأنثى خنزير عجوز. لا بد أن يأتي هذا اليوم. أنا سعيدة لأني اتخذت قراري أخيرًا. تطلَّب ذلك وقتًا طويلًا. بقيت دهرًا عاجزة عن الوصول إلى القرار الصائب. فقد رُوِّضت كل الخيول. لكنهم أحضروا مؤخرًا هذا الحصان الأرعن. أزعجهم كثيرًا. رأيت أنها فرصتي الأخيرة. سأبدأ في تدريبه وامتطائه. وإن لم أوفق سأسحقه في القش. إنه لا يعرف أني قد أفعلها. فهو يتابعني بنظرات متفاخرة، ويسحب إلى أنفه هواءً مختلطًا برائحتي. يشتَمُّ رائحة بولي. يخبط بقدميه في الأرض بصوت مسموع، ثم ينطلق إلى الناحية المقابلة لمرج يطوقه سور، ينمو فوقه أثناء الصيف نبات الهندباء الأبيض. وحتى أنا، صرت نبتة هندباء. طال انتظاري للموت. لكنه عنيد وعَصِيّ. يعذبني. لكني سأتسلل إليه بنفسي، دون أن يدعوني. سيحملني إليكَ ذلك الشيطان الصغير العابث، الأبيض كبياض الثلج! أتنفس بعمق حتى بطني كي أطرد الخوف من نفسي. أتقدم ببطء نحو المرعى. يزداد الفحل هياجًا، يتحرك ثائرًا هنا وهناك، وأنا أرى الغضب في عينيه. إنه حصان رائع. تجسيد لطاقة هائلة. عضلاته مفتولة، وأقدامه قوية، وظهره عريض. أتقدم منه فيتراجع وهو يخبط بأقدامه في الهواء مُهدِّدًا. أصفق بكفي، فيركض إلى الجهة المقابلة في المرج. يمضي بعض الوقت قبل أن أصل إلى هناك. بلَّلَ المطر وجهي، وراح العرق يرشح فوق ظهري. شعرت بالإرهاق وخيبة الأمل. ماذا لو لم يحالفني النجاح. أرفع حجرًا من فوق الأرض وألقيه ناحية الحصان فيقف ثائرًا على قدميه الخلفيتين، ويضرب بحوافره الهواء. كنت أعرف أنه يعرف! أقذف ناحيته كل ما يقع في يدي. العِصِيّ، وأكواز الصنوبر، وحتى الحشائش المبللة. أستفزه، وأثير غضبه. أزعجه، أسخر منه، وأخرج له لساني. أسبُّه كي يُجنَّ جنونه. إنه صراع؛ من سيتغلب على من. كل ما أتمناه هو أن يفوز هو في هذا الصراع. حل الظلام، وتلونت السماء باللون الأزرق الداكن الفخم. قفز الفحل في الهواء غاضبًا، وظهرت فوق بطنه بقعة زبد قاتمة بعد أن بصقت عليه، فهاج هائجه، وانطلق نحوي مباشرة، وأنا أخطو تجاهه وصدري يكاد ينشق من الرعب. أسمع حسيسًا، فأرى عناكب فضية اللون تتطاير في الهواء. وفجأة تظهر جدتي فوق ظهر الحصان. تبتسم لي ابتسامة عريضة، فأتوقف عن الحركة، وأنظر في عيني الفحل الكبيرتين المنتفختين. يقف الحصان على قدميه الخلفيتين وكأننا في فيلم بطيء، ويضربني بحافرة القوي في رأسي. يُفقدني الألم وعيي، وتمتلئ عيناي بالدم. أسقط على الأرض. أنوح، والفحل يعاود الهجوم عليّ. يَثِب فوقي بكل غضب. أسمع عظامي وهي تتكسر، وألم لا يُحتمل، يجعل لساني يخرج من فمي. أتقيأ، وأشعر بالاختناق. يستمر هذا طويلًا. وفجأة يصبح كل شيء بعيدًا. أشعر بالهدوء. وفجأة تنفصل شعيرات دموية فسفورية زرقاء عن جسدي الهامد، وتتصاعد نحو السماء، وكأنها بخار يتصاعد من طبق حساء. تمرِّر جدتي يدها على وجهي بحنان. أرتفع في الهواء، فيبدو لي المرج صغيرًا، ويظل يتضاءل. لم أعد أشعر بشيء. تدور من حولي ظلال الفحل الأبيض. ويشرع في سحب ذكرياتي من ذاكرتي الخامدة بذيله الذي بلله المطر.