logo-mini
ديتوكس

ديتوكس

تجربة سيدة مطلقة داخل مصحة للعلاج النفسي، حيث تصبح المصحة مركز الثقل في العلاقات الإنسانية، ومصدر أسئلة وأجوبة تتعلق بالأزمات الحياتية، مكانًا للبحث عن الذات فوق السقوف وعلى الجدران بعد أن سدت أمامها الطرق والأبواب

تقول أمي عند سماع أوّل نغمة هادرة:

  • أردت أن أتحدّث معكِ، لكن كيف وسط هذا الضجيج….

وأنا، لست هذه المرأة ذات الوشم، أرتشف عصير الـ “موخيتو”، وأبتسم، السبب:

  • – ألا تستمعين يا أمي إلى ما يعزفه؟

ثم تنطلق أحباله الصوتية البالية بصوت عاطفيّ، وتقول:

يا بو العيون السود، يا بو العيون الجريئة

يا بو العيون الجميلة

أحبك، واخاف منك

 

أمي لا تصدق أنها مجرد صدفة، وأني لم أطلب من عازف البيانو أن يغنيها. ثم تدسّ الملعقة بكل رضا في إكليل الخبز المكعّب.

تقول دون أن تصرخ:

  • إلى أين تأخذوني؟

صراخ دفين. تروّض لهجتها كي تبدأ حديثًا طبيعيًّا وموضوعيًّا، ومهذبًّا يليق بالبشر. لكن الرجل صمت. توقف حتى عن سرد النكات عن الغجر والْمِثْليين لزميله الذي يجلس خلف عجلة القيادة.

توقفت عربة الإسعاف فجأة. وطَرقت الأبواب. ومرّ وقت طويل دون أن يحدث أيّ شيء.

أنا أحلم، لكني لا أحلم بشراب الـ “مخيوتو”. فهذا لا يليق، إنهم ذاهبون لشراء ماء كي أشرب، فهم لا يُقِلّون جمادًا، أو قطعة حجر رمليّ ترتدي خفًّا. يصبُّون الماء في زجاجة بلاستيكيّة في أحد الحمامات بجوار محطة البنزين، ويشترون قهوة جاهزة. سائق عربة الإسعاف يشربها مُحلَّاة، ورجل الإسعاف بدون سكر. يشترون أيضًا شريحة خبز مُغلّفة، ومقبّلات بطعم لحم الخنزير المقدَّد. نبع ماء حارّ يتدفق أمام السيارة فوق الطريق. السحب فوق المدينة تتصدّع، وتيار الماء يتوجه مباشرة إلى داخل فمي. وثلاث سيدات إيطاليات سمينات يضحكن، ويثرثرن وهن يَمِلن على مصدر المياه في يوم صيفيّ حارّ. السادس عشر من يوليو، الساعة الواحدة والربع، عام 2008. أم أنه كان وفي وقت آخر؟ هل هذا مُهِمّ؟

أضع كفِّي أسفل نبع يتدفّق من فوق الجبال. وأنتِ معي. أتابع ظهركِ المائل، الذي يشبه ظهر صبيِّة ضعيفة. وأتابع خطواتكِ القوية التي تقول: هلُمِّ بنا! كُفّي عن التقلب في الفراش بهذه الكآبة، وانهضي! انصرفي! تبختري! امشي! سِيري! امشي بخطوات واسعة فوق هذه الأرض! اضربي بقدميك، واصعدي التلّ! انزلي من فوق التلّ سريعًا! تنفّسي بعمق كما كانت أمك تقول لكِ وأنت فتاة صغيرة. يا إلهي! أنتِ تتنفسين مثل امرأة تَلِد. عليكِ أن تأخذي نفسًا عميقًا! استنشقي الروائح، أنصتي إلى الحسيس القادم من خلف الشجرة لنعرف إن كان صوت حيوان أم صوت حجَر. انظري إلى ذلك التل المتداع، وإلى الفطر النابت أسفله. ما هي آخر مرة عثرتي فيها على فطر حقيقي أبيض؟ رياح تهبّ فوق رؤوس الأشجار، وبين أصابع نسيج العنكبوت، وبعوضة تجلس على كتفك وسط نقطة من دمكِ.

تعطيني لأشرب من كفيكِ، لكنني لا أستطيع، ما نالني منه سوى أن بللت وجهي. امتلأت قدماي بالبثور وما زال أمامي عشرة كيلومترات. وفجأة نرى مَرْجًا فسيحًا في الوادي، مَرْجًا غارقًا في أشعة شمس المغيب. أحتضنكِ، وكأنني أفعلها لآخر مرة. أين هي تلك اللحظة؟ من سيجدها في جسدي الذي تحوّل الآن إلى تمثال صخريّ؟ أين هي هذه اللحظة… من سيعثر عليها… ولسانكِ في فمي، طعم التوت، رُضابكِ، الحياة.

أخيرًا. فتح الرجل الباب، ثم صفعه مرة أخرى بقوة. وجلس بجوارها فوق المقعد رجل يرتدي معطفًا جلديًّا. نتأت فوق وجهه نظارة بلاستيكية مُربّعة. كان يشبه “آندي وارهول”[1] قليلًا.

همسَت بعدما انطلقت السيارة:

  • أليس لديكم شيء أشربه. أنا أموت من العطش.

رفع إليها بصره متثاقلًا، غير مبالٍ بالرد على تمثال مغلول يرتدي خفًّا بنفسجيّ اللون، وفوق بطنه حقيبة رَثّة. في تلك العَجَلة لم تعثر في الصندوق على حقيبة أخرى. تَحَوّل عنها ببصره دون أن ينبس بكلمة واحدة.

سأتركهم يحملوني إلى حيث يريدون يا “ريبكا” حتى أكفّر عما سببته لكِ. سأظل أطوف في أروقة المستشفيات، وأندسّ في أحشاء الأنابيب. أغطي نفسي أثناء الليل بثرثرة العجائز وأبنائهم عند الأسِرّة المتقرحة. أبناؤهم الذين سئموا من إضاعة الوقت وسط روائح المستشفيات الكريهة.  أدخُل إلى رأسي لأُكفّر عن ثرثرة العالم التي لا تنتهي، وصرخة زاعقة لأولاد ماجنة.

انظري! تابعيني وأنا أخرج إلى فناء السجن، ضعيفة ومرهقة. أسكب المرق من الغلاية على قميصي، وأيادي اللصوص الناعمة تتحسسني أثناء الليل. أنصرف إلى صلوات باردة مثل مياه نهر “فلتافا” في شهر يناير، أو أتسمر في فقاعات الصمت إلى الأبد. ثم تأتي قفزات سريعة، انبطاح

[1] مطرب أمريكي شهير (1928-1987) – المترجم

ها أنتِ تعرفين: راحت بعض الحقائق تطوف المدينة عامًا بعد عام، تتلوى هنا وهناك، لكن سرعان ما التصق بعضها بكل قوة بكسوة الحوائط، وبلحاء الأشجار، وبجِلد إنسان غريب، في نقطة محددة. ها أنتِ اليوم تعرفين بالأمر. لكنكِ وقتَها ظننتِ أنها ستتجمد إلى الأبد، وستختفي في الأعماق فوق السقف، حيث تنفرج القبة السماوية.

لكن العِفريت الصغير يحتضنك بين ذراعيه بكل إحكام، فلطالما سجنْتِه في جوفك الذي ظل يقرعه. ليته عرف على الأقل كيف ينطق حرف النون! “لن تـنـفـرج، لن تـنـفـرج، لا شيء هناك ينـفـرج!” ولأنكِ جوعانة مثل حيوان ظل لأسابيع وأشهر قابعًا في أعماق ملتهبة بإحدى الجُزُر، غير قادر على فهم ملامحه المثالية، ما زلتِ راضية بقسوة ما مرَّ بكِ، بصورة الماضي، وبهيكل لوحة مجردة.

 

***

وضعها رَجُلَا الإسعاف بزيهما الورديّ فوق السرير، ثم صَفَقَا الباب. قالت وهي تخاطب الفراغ الضيق الذي تزاحموا فيه لعدة سنوات:

  • أنا مثل تلك الضفدعة. ضفدعة في بئر ماء، انفجرت جمجمتها عندما رأت البحر لأول مرة.

انطلقوا في طريقهم يجوبون المدينة، يتباطؤون عند تقاطعات الطرق ثم ينطلقون. وهي تتأرجح فوق السرير، تستند بكفها على سقف السيارة، وتنظر إلى أعلى. إلى ما وراء السقف، حيث السماء مفعمة بسُحُب فبراير، ورياح هائجة تهب عكس اتجاه عربة الإسعاف. كتل الجليد تنوء بها سحبٌ تَجْأَر وتدوِّي، وتبحر إلى سماء أخرى مختلفة، غير هذه السماء. وشيء ما يثور أثناء الحركة. شيء له اسم، لكنها نسيت اسمه.

  • “أشرب… أرجوك! أعطني ماءً…”.

ها هي تتذكر اسمه. إنه العطش. عطش شديد لم تشعر بمثله من قبل.

التفت إليها رأسٌ بشعر أحمر لامرأة عارية، تضع وَشْمًا فوق مؤخرة عنقها البدين، استدارت وقالت بنظرة شاردة:

  • “ليس لديَّ ماء يا سيدتي. اهدئي من فضلك! ها نحن نقترب، وبالتأكيد سيعطونكِ هناك شيئًا تشربينه…”.

أخذت تتوسل من جديد وهي ترى رجلًا في مقدمة السيارة يرتشف الماء من زجاجة بلاستيكية:

  • أعطوني ولو قطرة ماء واحدة….

ليحملوني إلى حيث يريدون. الشيء الوحيد الذي معي الآن هي تلك الحقيبة التي أحملها على ظهري. هل تعرف “ريبكا” ما هي حقيبة الظَّهر؟ هل تعرف ما هو الجِراب؟ أو كيس الزاد؟ عندما أعود… تختلط السحب التي تنظر إليها مع سقوف مسطحة لمبانٍ شاهقة، “سيمنس”، و”مايكروسوفت”، و”هيولد باكار”.

تشد أربطتها سعيًا للحصول على الماء، على قطرة ماء واحدة، تشققت شفتاها من العطش، تجاهد كي تتذكر إحدى الشتائم، لكنها نسيتها جميعًا بعد كل تلك الأعوام التي قضتها مع “داليبور”، صمت خلالها الحديث الخشن.

  • تحمّلي يا سيدتي! نحن على وشك الوصول! لا تغضبي مني، فأنا رجل بسيط، وهناك رجل غيري مسؤوليته أن يعطيكِ الماء….

ما هذه اللغة الغريبة؟ ربما أنها تعثّرت في إكمال المزحة، فتدخّل هذا الرجل الأحمر ليكملها. وعندما ينتهي هذا المسكين من مزحته التي يحكها للسائق، وتخرج من فمه في لحظة صمت مربكة. يتوجه بعدها مباشرة إلى البيت.

نحن على وشك الوصول، لكن إلى أين؟ يشعل أحدهم الورقة كي يخفي الدليل، فتأكلها النيران على مهل في حوض الاغتسال. شفاه جافَّة، وأوراق قديمة، وأفرع جافة تتصدع تحت الأقدام. يترك مقاطع الكلمات تهرب منه في هدوء، والسماء يحجبها العطش، وسُلطة غاشمة تُخبئ كل ما ظهر لها. لم تعد هناك بوابة خروج، ولا سيارة إسعاف تتحرك من مكان إلى مكان، اختفت حقيبة الظَّهر بجوارها، ولم تعد هناك ذكرى لـ “ريبكا”. تجاوزت العطش، ونَهَرَت كبدها، اعتصرت كل وجودها حتى صار جافًّا، ثم ألقت به في الصحراء كخِرْقة بالية.

يا “ريبكا”! أنتِ لا تعرفين ما كُنت أضعه في الحقيبة عندما ذهبنا في جولة إلى منطقة “شاركا”، وإلى وادي “بركوبسكي”، وعندما مررنا بمدينة “بيرونكا” فوق أرض صفراء تطوق مستعمرات البيوت الريفيّة، ننتعل حذاءً رياضيًّا. وضعوا بيني وبين علامات الطريق، وبيني وبينكِ كومةً من الكذب لم أستطع يومًا أن أتخلص منها، هل ما زالوا ينتجون تلك الأحذية الرياضيّة؟

لا أحمل الآن في حقيبتي ضمادات جروح، ولا بطاقة تطعيم، ولا خبزًا مدهونًا بعجين السجقّ الذي التصقت رائحته بكل شيء. كان عليّ أن أُرسل لكِ رسالة قصيرة من الهاتف كي لا تنزعجي، كي لا تجوبي المستشفيات غدًا وأنتِ خائفة، تبحثين في كل الحالات الطارئة التي دخلت المستشفى، وفي مشارح الجثث، لكن جسدي المُوثّق بالأربطة قد تحول إلى حَجَر، وصار مثل نُصب تذكاريّ. أحاول أن أرفع ذراعي، لكنه صار كحَجَر رمليّ، أو حجر من الجرانيت، أو المرمر، ولم يعد ذراعي، استلقى هامدًا بجوار جسد غريب، مثل قدمي أبي الهول.

عربة الإسعاف تسير بلا توقف. وفوق السقف مبانٍ زجاجية تَمْرُق، ترى العمال يضعون إعلانات ضوئية. ترفع رأسها لتصل إليها، إلى إعلان عن بيرة «ستارو برامن» الذي صُنِع من مصابيح مُلوّنة. تُحلّق وتشرب ذلك الصدأ الوامض اللاذع، والبارد. تصوِّب نظرها نحو خفّ ترتديه، برز نحو السحاب فوق عربة الإسعاف. فجأة أعجبها منظره، إنه خفّ وَبَريّ بنفسجي اللون. من المؤكد أنه من عند الباعة الفيتناميين، أهدته لها أمُّها في أعياد الميلاد. التفت الرجل الأحمر حوله باندهاش. المرأة تضحك كالمجنونة، فقد اعتقدت أن شيئًا تافهًا مثل ذلك الخفّ الذي تضعه في قدميها سيصبح بالضرورة ضامنًا لنهاية سعيدة.

الهروب. الفرار. المغادرة قبل أن تنفجر سيارة الإسعاف مثل كتلة جليد أبيض.

  • إلى أين تأخذونني؟

صمتت المرأة، وأتت بإيماءات نسائية، وشرود في الفراغ الأحمر. ابتلع الرجل لكنته، وأخذ يتطلع إلى الطريق في صمت. وفجأة تثاءب بصوت عالٍ حتى جعل المرأة التي كانت مستلقية طوال الوقت تعتدل في جلستها بهمّة، واخضّر لونها. ربما لأنها كانت تشرب عصير الـ “موخيتو” بالثلج. لكنها هي من طلب هذا الشراب! إنها تجلس مع أمها في مقهى تكعيبيّ، والنادل يضع أمامها كأسين، وطبقًا صغيرًا به إكليل من الخبز. إنه بالطبع إكليل مربّع الشكل، فهو مقهى تكعيبيّ. ويجلس عازف موسيقيّ أمام البيانو. مفاصل عظامه تطقطق عاليًا وهو يعبث مُرهقًا في مفاتيح البيانو.