logo-mini
حدث في كراكوف

حدث في كراكوف

حدث ما لم نكن نحلم به، أن تأتي اللحظة المناسبة بهذه السرعة. أحيانًا يكفي القليل. فاض الكيل لدى المواطنين في مدينة "كراكوف". ولم يتحملوا أن يروا حالات الانتحار. بدأت الناس تتجمع في حشود كبيرة. أصبح الحضور بصواني الحلوى بلا معني. وحدث العكس

عشنا في شقة بإحدى العمارات التي تقع في صف من خمس عمارات متجاورة، كانت عمارة من خمس طوابق. يوجد في الجهة المقابلة نفس العدد من العمارات، وبين صفي العمارات توجد منطقة إسمنتية للتنزه، كان الناس يجلسون فيها على طريقة أهل “كراكوف”، حيث يجلسون فوق أذرع المقاعد، وأقدامهم فوق المكان المفترض أن يكون مسندًا للظهر. لكنه لم يكن كذلك، فمساند الظهر في منتصف المقعد لم تكن هناك، مما جعل ظهور الناس تبرز من خلف المقعد. كنا هكذا نجلس ونحن نضع مذكرات “كليمنت جوتوالد” فوق أقدامنا. عثرت عليها بنفسي فوق أحد الأرفف في غرفة المعيشة. صفحات بالية لم يتصفحها أحد منذ دهر من الزمان. رغم أنها تستحق أكثر مما تستحقه مجلة مثل “فلاستا”، أو “استاديون” التي يفضلها أبي، ويحفظ أعدادها في مجلدات، ومن شانها أن تثير حفيظة الرفيق “جوتوالد” لم تكن مذكرات الرفيق “جوتوالد” مُجلّدة مثل أعداد مجلة “استاديون”، لكن الأمور المهمة فيها كانت أكثر بكثير من تجاعيد قفازات لاعبي الهوكي التشيك، وأكثر من نصائح عن قضاء رحلات الخريف، وعدد حقائب اليد المتشابكة في مجلة “فلاستا” مررت بإصبعي فوق السطور التي كتبها أول رئيس لنا قادم من طبقة العمال. التصقت تلك الكلمات خلف أظافري مثل رمال الصحراء، وتزاحمت في قلبي الصغير الجائع.

كانت كلمات جوفاء تجاوزها الزمن، وكان الشيوعية التي تتحدث عنها تختلف كثيرًا عما عرفته أنا من تدمير وسرقة. ليس فقط تدمير المقاعد وسرقتها، لكن تدمير منطقة الألعاب كلها، ومحطات الحافلات، وأجهزة المنازل، ومحلات الخدمة الذاتية. كانت “كراكوف” في أيام طفولتي مدينة لا تَهُمّ أحد.

كانت أمي وأبي يتحدثان عن المجتمع الجديد، ربما. الناس اليوم يقولون إن الشيوعيين في مطلع الثمانينات كانوا مجرد أوغاد، تنقصهم المبادئ. وهذا كلام فيه شيء من الحقيقة، فأبي لم يكن غبيّا. أراد أن يوفر لنا حياة كريمة.

كانت هناك مسيرة من رجال يحملون مكبرات للصوت، يجوبون قرية “لوتشا” الصغيرة على بُعْد بضعة بيوت من بيتنا الذي أقمنا به، ويدعون الناس للانضمام إليهم. استمع أبي جيدًا إلى ما يَعِدون به الفلاحين. كان ينتظر أن تقدّم نجمة العمال الخماسية الحمراء ما هو أكثر من حكايات مسلية، وأن يحصل على شيء منهم يحمله في يده إلى البيت، أو يلبسه فوق جسده. طلبوا من الراغبين أن يحضروا إلى اللجنة القومية في زيارة لا تلزم أحدًا. وعلت أصوات المكبرات، حتى تساقطت العجائز من نوافذ البيوت الريفية في “لوتشا” من شدة الفضول.

قاموا بتوزيع المرطبات في مقر اللجنة، وسرعان ما بدأت كل القرية تلتقي هناك بصورة منتظمة. استمر الوضع على ذلك الحال لبضعة أسابيع، واعتاد الناس الأمر. اعتادوا على الذهاب إلى مقر اللجنة يوم السبت قبل الظهيرة. كانوا يُعِدّون بعض المأكولات للمواطنين، ثم يتحدثون معهم. كان الأحاديث منتشرة في كل مكان، ولم تكن القهوة ولا البيض تقدم مجانًا إلا هناك.

قال لي أبي لاحقًا إن من قام بذلك هي مجموعة من المناصرين المتحمسين. من أناس كانوا يترددون على مقر اللجنة القومية من أجل الحديث عن المجتمع الجديد. لم تثق أمي فيما كان يدور. لكني أبي كان من الذين تحمسوا للأمر بالفعل. لذلك انهالت عليه العروض. مدارس جيدة، وفرص عمل جيدة، ومستوى معيشة أفضل. كان حماسًا خالصًا ومخلصًا. كانت يتطلع إلى الإقامة في المدينة، والى دخل شهري، وشيء من هذا أصاب “ليبور” أيضًا. كان “ليبور” الذي يسب أبي في كل مناسبة من المناهضين المزعجين. كان يسخر من ذلك الحدث الكبير رغم أنه لم يكن يعلم أي شيء عنه. لم يذهب ولو مرة واحدة إلى مقر اللجنة. أعتقد أن أبي أراد أن يثبت له أنه أخطأ كثيرًا عندما رفض المشاركة في الحدث، وأن سوء الظن بالرفقاء يكون أحيانًا في موضعه، لكنها لم تكن في تلك المرة مجرد قصور في الهواء يسخر منها “ليبور” وقبل أن يبدؤوا في توزيع استمارات الالتحاق الإجبارية. كان العديد من سكان “لوتشا” يأخذون الأمر على أنه نوع من الإلهاء المقبول. شيء ما كان يحدث. لكن باستثناء ذلك لم يكن هناك شيء يستحق الذكر عندنا في “لوتشا”.

مقتطف

لا أتذكر شيئًا من مدينة “لوتشا”، رغم أن البعض مازال يتذكر شيئًا ما حدث هناك قبل ثلاثة أعوام. يقولون مثلا إنهم كانوا يقذفون بعضهم بأواني ممتلئة بماء مغلي، ومنهم أبي. لذلك انتشرت فوق ذراعيه سلاسل من الندب، فظل بقية حياته يرتدي أكمامًا طويلة. كل ما أعرفه عن “لوتشا” هو ما سمعته من والديّ.

كنا نسكن في أحد بيوت العمال. في بيت ذى طابق واحد، يقع في مُعَسكر “أمالكا” الذي بُنى منذ أربعين عامًا. كان المعسكر عبارة عن شارع واحد طويل من بيوت متشابهة ومتجاورة. كان بيتنا في منتصف تلك البيوت. تظهر أمي في صور من تلك الأيام نحيفة للغاية. ربما كانت مرهقة من السعي بين دار الحضانة والمتجر من ناحية، والتردد على أبي في الحانة من ناحية أخرى. ربما فاض بها الكيل من الحياة في”لوتشا” لهذا السبب. لم تجد هناك يومًا عملًا حقيقيّا في تخصصها. فقد درست فن حياكة الملابس النسائية. لكن نساء قرية جبلية لم يكُنّ في حاجة إلى مهنة كهذه. كان مواطنو القرية يرتدون نفس الملابس. لا يملكون سوى قميص واحد، وسروالا واحدا احتياطياّ يلبسونهما في اللقاءات الحزبية. كان يكفي زوجاتهم متجر وحيد للملابس الجاهزة، وبجواره منفذ لبيع الصحف، ومتجر للوازم الحدادة، وآخر للخردوات. كانت أمي أحيانًا تحيك الملابس بناء على طلب أحدهم. كانت تقول إنها ستكون في المنزل يوميّ الثلاثاء والخميس من الساعة الحادية عشرة وحتى الرابعة لتلقي الطلبات. أرادت أن تطلق اسمًا على صالونها هذا، لكن الشائعات بدأت تنتشر. عاد أبي ذات يوم من الحانة وهو يستشيط غضبًا من محاولتها الظهور كسيدة أعمال كبيرة، وطلب منها أن تتوقف على الفور. من المؤكد أن الرجال هم من دفعوه إلى ذلك. كل ما أخبرتني به أمي أنها تركت مهنة الحياكة بعد فترة من أجل أبي، وانتهى الأمر عند ذلك.

استبدل والديّ بيت “لوتشا” بشقة عادية في إحدى العمارات، ولم يظهر منهما يومًا أي ندم على ما فعلاه. انتقلا من شقة قديمة إلى شقة جديدة. رغم أن الحديقة الملحقة بالبيت كانت مكانًا جيدًا لتمشية الكلاب، إلا أنها لم تتحمل نظرات الجيران السامة، ولمزهم بأن زهور اللؤلؤ نبتت في الحديقة بدلًا من نباتات الأزاليا والجزر. فكان من الأفضل ألا نظهر كثيرًا خارج المنزل. فصارت الحديقة هي الأخرى عديمة الجدوى.

كنت أعرف أنا وشقيقتي منذ البداية أن مدينة “كراكوف” لا تعجب أحدًا. كنت أحيانًا أراها أنا أيضًا مدينة عجيبة، رغم أنها كانت في الواقع مكانًا رائعًا. لم يبق من خطط تنمية المدينة سوى نوادر يتناقلها الناس فيما بينهم، وأسماء شوارع مثل شارع المسبح، حيث كان من المفترض أن يبنوا هناك مسبحًا كبيرًا، به مكان للتجديف والتزحلق، أو منتزهًا يزرعون فيه الأشجار، ويضعون فيه مقاعد ليستريح الناس عليها. مع ذلك لم يكن هناك سوى حشائش نابتة في فجوات وسط الإسفلت. كان المواطنون كبار السن يخافون من الذهاب إلى هناك بعد غروب الشمس. لم يكملوا بناء ملعب الأطفال. تكسرت أرضية النافورات الصغيرة بين العمارات، ولم تنطلق منها المياه يومًا. وبدلًا من ملعب الأطفال المزعوم راحت الأطفال تلعب فوق ألواح اسمنتية. وانتشرت الكتل الخرسانية خلف العمارات في المكان المخصص ليكون غابة مهذبة للتنزه، وصارت تشبه صحراء قبائل هنود أمريكا. رمال مموجة مع آثار قطع أرض خضراء هنا وهناك. كان الوضع في مدينة “بوكلاد” عند البحيرة الفضية لا يختلف كثيرًا. الفرق هو أن أمواج الرمال في “كراكوف” كانت مجرد أكوام مغطاة بنباتات ملوثة صالحة للتزلج عليها. كانت “بوكلاد” عند البحيرة الفضية هو الآخر مكانًا خَطرًا. لم يكن هناك “بيير بريك” الهندي، فقد كانوا يصورون فيلمًا عن الهنود الحمر في يوغوسلافيا. وهكذا كبرنا على نصف الحقائق.

أتذكر أنه عندما جاء عمي “ليبور” مع والدي ووالدتي لزيارتنا في “كراكوف” تشاجر مع والدي شجارًا عنيفًا، ورفض أن يذهب معه إلى البار لشرب البيرة. في الواقع أنه لم يذهب إلى أيّ مكان. جلس عند طاولة بالمطبخ، يجفف جبينه بمنديل. ثم يبلله بالماء. كان يلاطفني أنا وشقيقتي وكأننا جروان حبيسان. كان ذلك شعورًا جديدًا علينا أن يتأسف أحد لحالنا. أن يشعر أحد بالأسف علينا. كنت أتشاجر أنا” وميلادا،” فيصرخ فينا أبي، ويطردنا خارج البيت. كان “ليبور” مهاجرًا حديثًا من العائلة.