logo-mini
امرأة للبيع

امرأة للبيع

ترصدالكاتبة عبر مسارات بطلتها 'تشابيكا' الفروق الشخصيّة من جهة، والفروق الاجتماعية والطبقية من جهة أخرى في بلد شهد تحولا في النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي السلوفاكي ضمن تشيكوسلوفاكيا السابقة

في التذمر. كنت أجلس على طاولة معدنية وكل واحدة من العجائز اللواتي جلسن إلى جواري في وقت الانتظار يحكين لي عن همومهن. بينهم أيضًا رجل مُسِنّ وأم في أجازة رعاية طفلها وأحد تلاميذ المدارس.  راحوا يوجهون إلى كلامهم دون أن أوجه لهم أية سؤال. وقتها قلت لنفسي أنه أمر غير طبيعي. لكن بعد ذلك خطر لى أنه بالفعل أمر لافت أن يكشف لي أناس غرباء في الشارع عن همومهم. يبدو أن مظهري يدفعهم لأن أكون محل ثقتهم. ربما قد يدفع أحدهم مقابل هذا الأمر. لكنه ليس معقولًا أن أجلس على محطات الحافلات أنتظر من يأتي ليتحدث إليّ. إنه أمر قاتل. أريد أن أفعل شيئًا مفيدًا ومقبولًا أيضًا. فانا لا أحب التوتر. فالإنسان يجب ألا يفعل سوى ما يحب. أكثر ما يعجبني هو التردد على الآخرين لزيارتهم.

إن زيارة الأصدقاء أمر رائع، حيث يضعون على الطاولة المقبلات والفول السوداني، والحلويات، وأنت جالس ورائحة الستائر التي غسلت مؤخرًا تفوح من حولك، والنعاس يداعب عينيك وأنت جالس في مقعد طري. ومن مكان ما يصدر صخب مطحنة القهوة. وبنظرة غير مبالية تتابع آخر الشائعات. تشاهد الصور الفوتوغرافية التي دسوها بين أطر ذهبية. أو أنك فقط تجلس وتقلب ناظريك في الشقة التي لن تضطر إلى  تنظيفها يومًا ما. الجميع يعاملك بودٍ. كلهم يتظاهر بغير ما هم عليه. فأنت ضيفهم. هل تريدين قهوة؟ آه، نعم، لكن ليست ثقيلة. ما رأيك في الأحداث السياسية؟ يعني… إنها شيء فج. أحيانًا يلقي أحدهم نكتة. يمكنك أن تخترع حكايات مسلية وأن تدعي شيئًا ليس فيك. في الزيارة يسود جو من المرح. فأنت لست ذلك الشخص المزعج الذي يتعاملوا معه يوميًا. يمكنهم أن يتباهوا أمامك بطفلهم الذكي أو بثلاجتهم الجديدة. إنه مسرح العائلة. نعرض فيه فقط ما نريده. الفوضى مختبئة في الخزائن. كعكة محترقة؟ لا عليك، هذا أمر وارد.

قمت بعمل سجل تجاري، تحملت رائحة الطابور الأخير لي أمام مكتب العمل لأول مرة دون تذمر. حدقت السيدة التي تعمل في مكتب العمل إلىّ بوجهها الوردي الملون متفحصة. لآخر مرة.

غادرت المدينة الصغيرة كعاشق منبوذ، رغم ما بها من أشياء أحببتها، رغم ذكريات الطفولة المختبئة في كل ركن من أركانها. منعت نفسي من استدعاء مغامراتي الطيبة. وخبأت خوفي في علبة بسكويت. لم أضع في حقائبي سوى ذكرى لوجه المدينة القاسي البليد. لم أودع أحدًا. أخبرتهم فقط بأنني راحلة. خلفت ورائي سنوات قضيتها في المدينة، وأحلام لم تتحقق، والكثير من الإخفاق. منذ الآن سيتغير كل شيء. لن أعود إلى ما كنت عليه. وسيرسم الزمن في غيابي صورة لن أكون جزءًا منها.

استغرقت الرحلة إلى العاصمة يوم كامل.

هدير القطار لا يتوقف. والتراب اللامع يهبط بهدوء على المقاعد الناعمة، وأشعة الشمس تسبح على أرض عربة القطار. أحدهم يضبط نغمة لهاتفه، وآخر يسعل. وكمساري القطار يجول ببصره بدون اهتمام في أرجاء المقصورة وهو يختم البطاقات. وشاب يجلس أمامي ويطوق فتاة بيديه حول خصرها ويحكي لها عن دراجته النارية الجديدة. وبعينيه الزائغتين يصرح انه يقود دراجته على طريق باريس – داكار. كان يقبض على يدها وكأنه يقبض على عجلة القيادة. وأحيانًا يحرك بقدميه وكأنه يضغط على دوّاسة البنزين. تجلس بجواري سيدة تفتش وللمرة الثامنة عن شيء ما في حقيبتها، وتخرج كل ما في جوفها وهى تتفحصه وكأنها تراه لأول مرة. وفي كل مرة تتوقف عند حافظة النظارة وتفكر مليًّا. أما أنا فاستسلمت لأفكار تدور برأسي كالكلب التائه في الحديقة. أفكار حول ما ينتظرني، ونوع الزبائن الذين سألتقي بهم. أين سأسكن وماذا يفعل أخي بالمدينة. رحت أرسم صورة غير واضحة المعالم عن المستقبل وكأنه شيطان على الحائط، لكن دون أن يعتريني خوف من أن العاصمة قد تكون مكانًا غير آمن. نزلت هيلدا عند قدمي وراحت تنفض بسعادة رموشها التي ظهرت في ضوء الشمس وكأنها أقدام نحلات العسل. لم أكن أعرف إلى أين نتجه. لَعَقت شفتيها عدة مرات بهوادة، ثم قضمت بأسنانها برغوث أمسكت به في معطفها الفرو*.

المدينة الصغيرة

في ذلك الصباح بدت الألوان على مبنى مكتب العمل البنية الباهتة أقل بهتاناً. صنع الغصن المكسو بأوراق صفراء جافة خطًا طويلاً مائلًا على الجدار وسط موجات الرياح على لحاء الشجر الخشن. تبعثرت بطاقات الحافلات القديمة بجوار الرصيف مثل عجائز ذابلون على شاطئ العراة. الجميع يسيرون على مهل. تفوح في الشارع رائحة فاترة لفلفل مطهي رخيص. الساعة على برج المدينة الصغيرة تعلن برتابة السابعة. كسرات من غطاء جدار آيل للسقوط تتساقط على الأرض. نساء تدخلن إلى المتاجر لشراء اللحم في أوقات التنزيلات وهن يحملن أكياس بلاستيكية. ورجال يهمون إلى حجز آخر فرص للعمل في المدينة الصغيرة. نساء عجائز يهرولن إلى الطبيب، ورجال كهول في طريقهم إلى الحانة لشرب بيرة طازجة. والضباب المبلل المختبئ وسط أوراق الأشجار المتساقطة يبدأ في التبخر في شمس الخريف الدافئة. فيتغلغل إلى ثنايا أغطية بلاستيكية ملونة ينتعلها الأطفال فوق أحذيتهم وهم يحملون حقائبهم المدرسية. يقبل الصباح بطيئًا مثل العسل المتصلب على ملعقة في قهوة باردة. نَفَق كلب في المدينة، وأتت رائحته العفنة على بقايا وَهْم لدى سكان البلدة، وَهْمٌ يطلقون عليه حُبّ الحياة. اختفت الابتسامة من على وجوههم. إلا ابتسامة صماء على وجهي، وهواء بارد يتسلل بين أسناني الصفراء التي دمرها المضاد الحيوي. للمرة الأخيرة. فتحت بوابة حديدية حقيرة عند مدخل مكتب العمل، تطايرت إلى أنفي رائحة الهواء الذي انتشر في أرجاء الغرفة مفعمًا بالعرق. حجرة صغيرة على شبه مُعَيّن بلا نوافذ، امتلأت ببشر قلقين. كل واحد منهم يرغب في مغادرة المكان قبل الأخر. تفوح من أحدهم رائحة كسلطة البيض. رغم كل هذا استنشقت من جديد الهواء وأنا أقبض شفتاي. التقطت قلماً أخضرًا وبدأت أسجل اسمي على ورقة معلقة عند الباب. كدّرت زيارتي لمكتب العمل علىّ حياتي على مدى خمسة أعوام كاملة. خمسة أعوام من الانتظار والشرح ونظرات الريبة من قبل الموظفة. خمسة أعوام أترك سيرتي الذاتية وطلبات عمل وإجابات سلبية. خمسة أعوام طويلة بطُول طابور الناس أمام مكتب العمل في مبنى البريد. دائمًا نفس السؤال” “ألم تعثري على عمل بعد؟” والإجابة الدائمة بالنفي. توالت مسابقات التوظيف مثل عربات القطار المتحرك. نفس الإجابات على الأسئلة ذاتها. ساعات لا تنتهي أقضيها في غرف سيئة التهوية.

ملابس؟ ملابس مستعملة. معكرونة رخيصة. خضروات مقابل قليل من النقود أشتريها من سلسلة متاجر (بيدل). خمسة أعوام عجاف أتلقى إعانة اجتماعية وأفكر فيما سأفعله في المدينة الصغيرة. أتلقى إعانة بطالة مدى الحياة. أتزوج من أول رجل ألقاه – وألد أطفالا مثل غالبية نساء هذه المدينة. أم أمارس عملاً غير رسمي وأنتظر إن كنت سأحصل على راتبي أم لا. ظل الانتقال إلى العاصمة بمثابة الحل الأخير. تبنيت طريقة غير واضحة. رحت أرجئ المخاطرة. وفي النهاية لي يتبق لي سوى هذا الخيار. أخاطب نفسي قائلة: في النهاية لابد أن يكون لك عمل. وإن بقيت هكذا بلا عمل سيسألونك: “ما هي وظيفتك؟ أين تعملين؟ أسئلة يوجهها إليك الناس عند أول لقاء. لا يسألك أحدهم عن آرائك السياسية ولا عما حلمت به. دائمًا ما كنت أشعر بالخجل وأنا أجيبهم قائلة: “أنا أتقاضى إعانة بطالة”. ويرد السائل” نعم”، وهنا أشعر بأنني صرت كالعدم بالنسبة له. إن الذهاب إلى مكتب العمل يعنى أنك عالة. البعض يصرح لي علنًا بأنني أقتات من ماله.

كان يجب أن أغادر المدينة، وأن أفكر في شيء ما. شيء لا يمكن أن يفعله أحد غيري. عمل يُمكن لسكان العاصمة المدللين أن يدفعوا أجرًا عنه. رحت أفكر في عمل أتفرد فيه. وبما أني أتيت إلى هذا العالم، وبما أنهم يكررون في الكتب كلامًا عن تفرد كل إنسان، فلا بد أن أعثر في نفسي على ميزة فريدة لم أنتبه إليها من قبل. بدأت أراقب الأمر. أراقب الآخرين. ألاحظ ردود أفعالهم والطريقة التي يتصرفون بها معي. تمنيت أن يخبرونني عن هذا التميز.  كان الأمر صعبًا. منعتني هواجسي من رؤية المشهد كاملًا. خابت آمالي منذ الأسبوع الأول في أن يقول لي أحدهم مثلًا:” أنتي شديدة الذكاء”. لم ينتبه أحد إلى خطواتي الواثقة ولا إلى ظهري المنتصب، ولا إلى أني لا أسعي لكسب ود احدهم. لم يثن أحد علىّ بأني أسرع في خطوتي مثل المصعد وأرفض تناول الهامبورجر. شعرت بأنني ضائعة ولا جدوى من وجودي بينهم، واني لم أُولَد إلا لكي أحصل على نصيبي من الهواء الذي أتنفسه وأن ألوث الأنهار بالفوط الصحية*.

بعد ذلك وبينما أنتظر الحافلة التي تأخرت عن موعدها بدأت أرى الأمور بطريقة مختلفة.

انتظرت الحافلة فعلًا لوقت طويل. كان الماء الذي تجمع في مستنقع صغيرة يتسرب ببطء إلى القناة. صنعت بقع الزيت على سطح المستنقع مرآة زرقاء لامعة، رحت أطالع فيها صورتي والناس من حولي يذهبون ويجيئون. يخرجون من جيوبهم بطاقات مستعملة ويلقونها على الأرض. لم تأتي الحافلة التي أنتظرها. بدأت