logo-mini
الوليمة

الوليمة

مصائر شخصيات معقدة، حكاياتها التي تشبه الأساطير الإغريقية. حكايات متداخلة تدور على خلفية نفسية شديد التعقيد

لكن ما السبب؟، سألني زوجي، “ساشكا جيلب” النحيف ذو الشعر الأحمر. مهندس الميكانيكا، والمحاسب، ثم المدير التجاري في مؤسسة ناجحة، الإنسان الذي يقولون عنه إنه الرجل المناسب في المكان المناسب. هل أخونكِ؟ هل أضربكِ؟ لماذا إذن؟ لماذا؟ كان يليق بك زوج مثل “يوشو بوديك”، أو “فلورو ترنكا” لتعرفين الفرق. أجبته

  • نعم.
  • ماذا تقصدين بـ”نعم”؟
  • نعم
  • ما معناها؟
  • سأقدم طلب الطلاق.
  • هذا لأني طلبت من “تيو” أن يعيد لي الأموال التي أقرضتها له؟ لكنه يجب أن يعيد الأموال التي اقترضها طالما اقترضها.

أجبته:

  • وها هو قد أعادها.
  • أخبريني…
  • بما؟
  • هل في الأمر رجل آخر؟

كان هناك رجل آخر، لكني لن أخبر “ساشكا” عنه لأن طلب الطلاق لا علاقة له بذلك الآخر. وحتى “ساشكا” لم ينتبه إليه. لم يكن الأمر أيضًا يتعلق بما حدث في عيد الفصح عندما ترك البيت، بينما من المفترض أن تكون الأسرة مجتمعة في يوم كهذا. ذهب بسيارة الشركة في رحلة عمل إلى أوكرانيا ليعقد صفقة مربحة للشركة، وأثناء تلك الرحلة تورمت قدماه، واضطر إلى أن يشتري حذاءً سبب له بثور في أخمص قدميه، فعجز عن المشي تمامًا. ومن وقتها وهو يتنقل بالسيارة مثل الدب، وتركهم ينقلوه إلى حيث يشاؤون. لكن هذا لم يكن السبب. لقد تحول “ساشكا” إلى وظيفة. صار هو نفسه منصبًا، دبًا – ذئبًا. كل ما حوله ساعده على هذا، وسمح له به. توقف عن كونه “ساشكا” الهزيل الطيب الذي يرافقني في جمع الفطر كلما داهمتني أعراض الاكتئاب. لم يعد “ساشكا” الذي يسعد كلما عثر على نبتة فطر إسفنجي خال من الديدان. سعادة غامرة كانت تتملكه كلما وجده، يجتزه من ساقه، ثم يعطي جيراننا سلة ممتلئة بحبات الفطر الطازج. حيث يطهونها بالقشدة، أو يخلطونها مع البيض. كان من الضروري أن نعطيها لأحدهم لأن العربة الليموزين كانت تحمل “ساشكا” لعقد مزيد من الصفقات بدون الفطر، وبدوني وبدون أولادنا، “تيو” و”كورونيس”. يذهب معهم. وبعد أن يعود من رحلة عمل تستمر أربعة أيام يتوقف عند أمه “هانا جيلبوفا”، حماتي.

إنها صفاتهم، حموات.

كانت والدة “ساشكا” حماتي، “هانا جيلبوفا”، ولقبها قبل الزواج “تسناكوفا”

“شارلوتا” أم “بيلو”، هي حماة ابنتي “كورونيس”.

وأنا يومًا سأكون حماة “نينا”.

كرست أم “ساشكا” فيه شعورًا بأن كل شيء وجد من أجله هو. بينما كان وجود أبوه “يوناتان جيلب” كعدمه. كان ذكره دائمًا مرتبطًا بالحديث عن الحديقة التي نمت فيها بضعة شجيرات برقوق تطرح حبات صفراء، وشجرة تفاح تثمر تفاحًا شديد الحلاوة. يضعونه في حوض الاستحمام، فيتكلس طلائه ويصير أحمرًا. لم يخبرونا إن كانوا يصنعون خمرًا من ذلك السائل المتخمر في الحوض الصدِئ أو من سائل آخر غيره. لم أسألهم. كل ما فعلته هو أني رفضت أي شراب على طريقة الأيام الخوالي. وبدورهم لم يعزموا علىّ كثيرًا. لقاءاتي مع “هانا” تعد على أصابع اليد. وكان بكاء “كورونيس” يصيبها بالإرهاق. وعندما ولد “تيو” وجدتها في اليوم التالي تقف في دهليز المستشفى. لم تقل إنها تريد أن ترى حفيدها. وما عساها أن ترى في وليد سوى احمرار وجهه من البكاء، وجسدًا أصفرًا من أثر اليرقان، وليد نائم فوق عربة مستشفى مستطيلة وسط أطفال أخرى مثله، يتميزون عن بعضهم بشرائط بلاستيكية مستديرة تحمل أسمائهم، مثبتة بأحبال قطنية حول معاصمهم؟ لقد رأت في حياتها كثيرًا من الأطفال حديثي الولادة. أرادت أن تراني أنا، تأخذني من فوق السرير، وتجبرني على أن أضع خفّا في قدميي الحافيتين بعد أن فشلت في ارتداء الجوارب. أجذب روبَ المستشفى الأزرق من فوق الحامل، وأرتديه، ثم أوثقه بحزام حول خصري، وأنزل فوق درجات سلم المستشفى إلى الطابق الأرضي.

نينا: ستة وثلاثون عامًا، وطفلان- تسكن، حسبما تقول، في إحدى الشقق في عمارة في “هورنا أورافا”. حاصلة على الشهادة الثانوية. (وهذا أمر غير مؤكد). خادمة في فندق بسويسرا، وعاملة في جزيرة “كريت”، ومسؤولة مخزن خضروات في النمسا. لم تتحدث يومًا عن أبيها. لم تخبر أحدًا عن بيتها الذي بنته مع زوجها، ثم باعته أو خسرته. لا أدري. وهي الآن تعمل في مدينة “سكالنيك” عند أسرة “بيل تشيابور”. لديها هدف.

أنا: أنا “إيرا فالنروفا”. أسكن في عمارة سكنية في مدينة “بيترستسا” في شارع “سكوتاتسكيهو”. كنت على مدار ما يقرب من ثلاثين عامًا أحمل اسم “إيرينا” جيلبوفا”. استعدت بعد طلاقي اسمي ولقبي قبل الزواج. قمت بتربية طفلين، “كورونيس” و”تيو”.  زوجي، “ساشكا جيلب” النحيف ذو الشعر الأحمر، أحد أفراد مجموعة كبار موظفي مؤسسة استراتيجية في وسط سلوفاكيا، عينته “الرقيقة” في وظيفة مدير تجاري للشركة. نمت الشركة أكثر تحت قيادة “ساشكا”. كان يعود إلى البيت في كامل هيئته، يرتدي بذة داكنة اللون، ورابطة عنق حريرية، غالبًا ما يرتديها كلما ذهب لحضور غذاء عمل، وفي المناسبات الرسمية، حليق الذقن، وشعره مصفف، وأظافر لامعة. يعود إلى البيت وهو يتقمص دور المدير التجاري، ولا يتوقع مني أن أعامله على غير ذلك. كان يحسب نفسه زوجًا صالحًا، وهو أمر معتاد في الدوائر التي يتحرك فيها، حيث يتناوب زملائه ثلاثة أو أربع زوجات.

أنا خريجة كلية التربية، درست فيها اللغة السلوفاكية والتربية الموسيقية، وأضفت إليها التربية الفنية، لذلك فأنا أعرف الكثير، لكن بصورة سطحية، ولا يمكن أن أقارن نفسي بخريج المعهد الموسيقي. بالنسبة للفن على ما يبدو أني لدي موهبة وحس فني. علاقتي بالفن يمكن وصفها بأنها علاقة عشق، وليست مجرد تمكن في تخصص دراسي. الفن يمد إلي يده، ويجذبني من أصابعي، ويستغرقني (هل هذه صوفية؟) ثم يلفظني ممزقة في طريق وعر لا يحتمل، أشعر وأنا أسير فيه بكل حجر صغير تحت حذائي، وكل حصوة وكل حبيبة رمل.

أنا أحب الصوفية. ولم أصل بعد إلى حقيقة ما يحمله مصلح الصوفية من معني. (الصوفية = التواصل؟). يعجبني أيضًا “يان تورزو” القادم من “بيتلانوفيتس”، والذي قرر أن يبني في القرن السادس عشر في “سيدميهراد” مبانٍ رائعة، يعجبني أيضًا “ماكسميليان هيل” المولود في “فيندشاخ” عام 1720.

أعيش بمفردي كي أكون قريبة من ابني إن احتاج إلى مساعدتي، ومن أحفادي عندما يأتون إلى العالم، فلا يوجد هناك ما يمنعني من استقبال الزيارات التي تبقى عندي أثناء عطلة نهاية الأسبوع، أو لمدة يوم أو يومين في وسط الأسبوع.  عندها أحرك عطلة نهاية الأسبوع كما لو أنني أحرك كيس بطاطس أو سلة تفاح. أجعل من السبت والأحد أيام عمل، وهو ما يدفعني في كل مرة إلى الجنون. ولكن ما عساي أن أفعل؟

على أن أعمل بكل نشاط. كانت “سيلفيا بِلاتوفا” تعمل بنشاط بعد انفصالها عن زوجها في أوقات الصباح الباكر. تظل تعمل إلى أن تسمع صياح أو بكاء أطفال كانت تهتم بهم كما تهتم بإعداد نص مجموعتها الشعرية التي أطلقت عليها اسم “ريل”. تحاكي بهذا العنوان، دون أن تدري، اسم جبريل أو أسماء ملاكة آخرين. لكن “ريل” كان اسم حصان، ربما أن “سيلفيا” أحبته، وسقطت من فوقه على الأرض. “فريدة” و”نيكولاس” كانا ولدي “سيلفيا” اللذان أحبتهما وأعدتهما للموت كما أعدت نص مجموعتها الشعرية “ريل”. الموت الذي أرادته ولم تَردْه. ضحايا الاكتئاب.

أنا امرأة ريفية. خلفياتي ريفية، مدارسي ريفية. ربما نفهم من معنى كلمة “ريف” بأنه كل ما هو خارج براتسلافا العاصمة. لكن براتسلافا نفسها قرية مقارنة بفيينا أو باريس. أتعاون مع مجلة “هوريزونت”، أكتب في قسم يتناول شخصيات من التاريخ السلوفاكي. المجلة توزع في القرى، في الريف.

أقام ابني “تيو” في مدينة “بيستريتسا” في شارع كولاروفا. يمكن الوصول إليه سيرًا على الأقدام من شارع سكوتاتسكاهو. ثم اشترى بعدها شقة أخرى كي يكون بعيدًا عن البشر، وعنّي، وعن الجميع كي يهرب. كي يهرب. كان يتمنى يومًا ما أن يكون له بيت وأسرة، وحديقة وكلب. كان ينفق القليل ويدخر الكثير. قال لي زوجي وقتها “ساشكا جيلب”: ستخدعه أحدهن ذات يوم، وسيحوله هذا إلى شخص مجنون. لكنه لم يساعد “تيو” على الإطلاق. قال عن النقود التي أقرضه إياها عندما اشترى تلك الشقة البعيدة بأنه اقترضها بدوره من أحد التجار. فأعداها إليه “تيو” كاملة غير منقوصة. وقتها طلبت الطلاق.