logo-mini
السوط الحي

السوط الحي

كثيرين كتبوا عن الحروب، وبخاصة الحربين العالميتين. منهم على سبيل المثال إريك ماريا ريمارك في روايته (كل شيء هادئ على الجبهة الغربية)، أو هيمنغواي في واحد من أهم أعمال (وداعاً أيها السلاح)، وهما تعالجان موضوع الحرب من زوايا مختلفة، وكذلك يفعل أوربان في (السوط الحي)

عمَّت فوضى عارمة بدأت معها مشاعر البشر تتغيَّر، توارت الشمس خلف ستارة حديدية، وصارت الأراضي مُقفرة على مرمى البصر، وكل من كان يعمل فيها صار مفعمًا بحبات عرق ثقيل بارد سالت على جسده فبلَّلت قميصًا من الكتان يرتديه، سيطر عليهم خمول حيوانيّ بشع، يخفي تحته حالة من الهياج والثوران.

استمرت الأوضاع على هذه الحال لمدة ثلاثة أعوام، ولم تستقِم الأمور، على عكس ما ظهر، كان التواصل المباشر مع ما يحدث من أكثر ما غاب عن الناس لأنه كان يتمّ في مكان آخر بعيد عنهم، لكن وقتها، وبعد مرور ما يقرب من ثلاثة أعوام، حلَّ الربيع وجاء معه إلى بلدة “رازتوكي” رجل يرتدي بزة عسكرية متربة، معلقة فوق جسد زابل قبل الأوان، قامته محنية نحو الأرض، وكلما مشي رفعت الرياح كُمَّ قميصه الأيمن الذي كان بلا ذراع، ظهر فوق خده أسفل عينه اليمنى -التي ضاقت قليلًا- أثر جرح طويل طال جزءًا من أنفه، وامتد إلى فمه حتى انتهى عند ذقنه الذي اكتسى بلون ينُمُّ عن جرح قد التأَمَ منذ وقت قريب، فجعله هذا اللون جرحًا حيًّا، واضحًا وكأن أحدهم قد لونه عن عمدٍ كي يراه كل إنسان، فلا ينساه بسهولة، أعطى ذلك الجرح الذي اخترق كل وجهه انطباعًا بأنه جاء نتيجة ضربة سَوْطٍ: توتر وجهه تحتها، وتجمد، واكتسى بمظهر احتفالي استثنائي للوحة تذكارية مثبت فوقها عينان بُنِيَّتان.

راح الجندي يتخطَّى متثاقلًا جداول ماء صغيرة انتشرت على الطريق، صوبت الشمس أشعتها الباردة فوق الأرض المُبللة، فلم تجد المياه منفذًا تنفذ إليه، وتكونت جُزر من ثلوج وسخة فوق التلال التي لم تصلها أشعة الشمس، ثلوج رسمت صورة كريهة وسط فيضان الألوان الباهتة، وتسَّربت مياه عكرة أسفل تلك الثلوج تصب في مصارف حاملة رواسب مبللة تعلق فوق سدود صغيرة، وتفوح منها رائحة الربيع التي تُعطي شعورًا بالنَّضارة والسعادة.

لكن مشاعر كهذه لم يكن لها تأثير على ذلك الجندي؛ دخل إلى بلدة “رازتوكي”، ولم يدهشه فيها أي شيء، التفت إلى يساره، وإلى يمينه، التفت دون أي اهتمام يذكر، وكأنه يمشي في بلدة غريبة، لا يعرف فيها أحدًا، ولا يعنيه ما يراه فيها.

لكن الأطفال حينما رأوه خرجوا من بيوتهم، وراحوا يصيحون:

  • “انظروا! إنه جندي، جندي!”.

لكن الجندي “أوندري كورين” لم ينتبه حتى إلى هؤلاء الأطفال، واصل السير، يحفُّه هدوء حذر، قطعه صوت “إيلتشيتشكا” العجوز التي كانت في طريقها لابتياع ملح، هرولت ناحيته، وسألته:

  • “من أنت؟”.

التفت إليها “أوندري كورين”، وجحظ فيها مندهشًا، فتح فمه، ثم سرعان ما أغلقها وكأنه استفاق فجأة، ثم هز رأسه بحزن.

صاحت المرأة مندهشة:

  • “أوندري! من أين أنت قادم؟”.

هز “أوندري كورين” رأسه وهو يشير صوب الجنوب، جحظت فيه “إيلتشيتشكا”، ثم صرخت في فزع وهي ترى كُمَّ قميصه بلا ذراع:

  • “أين ذراعك؟”.

رفع “أوندري كورين” عينيه، كانتا صغيرتين وكأن نارًا غريبة قد جففتهما، تطاير فيهما شرر للحظات وسرعان ما انطفأ، ثم رفع يده اليُسرى، وحركها في الهواء، وجذبها إلى صدره من ناحية اليمين، شهقت “إيلتشيتشكا”:

  • “بَتَروها!”.

لم يفطِن أهل “رازتوكي” إلى ما يحدث؛ عرفوا تلك الكلمة ورددوها في أحاديثهم عما مضى، وقتها لم تكن لها أي دلالة مخيفة، كانت تنساب على ألسنتهم في سلاسة، تستدعي تصورات مفعمة بضبابية الحكايات الخرافية، وبتعبيرات تُلهب مشاعرهم وتسعدهم، لم تكن الحقول امتلأت بالحفر، ولا المدن احترقت، دمٌ غريب… دمٌ جميل يتسرب من الجروح دون ألم، حتى الموت وقتها لم يكن مخيفًا، عندما كان “كومار” يسهب في الحديث عن البوسنة، ويتذكر صديقه الذي أصابته رصاصة في قلبه؛ فمات، قالها وهو يبتسم وكأنه يروي حكاية من “ألف ليلة وليلة”، كانت الناس تحب الاستماع إلى “كومار”، وكان يكرر الحكايات عليهم كلما سنحت الفرصة، أحيانًا يضيف إليها، وأحيانًا أخرى يجتزئ منها أو يغيّرها، كان ذلك تقريبًا هو كل ما يعرفه أهل “رازتوكي” عن الحرب.

لم يفهم أهل البلدة الأمر ولا حتى لاحقًا، بعدما بلغت الحرب أوْجَها، كانت “رازتوكي” في حماية الرَّب، يخبئها خلف ظهره، كما يقولون. في منطقة نائية بشمال سلوفاكيا، كانت الأخبار التي تصل القرية كأنها مفلترة، خالية من أي طاقة، أو قوة، سمعوا عن أعداد الروس الذين غرقوا في مستنقعات “مازور”، وعن المتمردين الصِّرب الذين أطلقوا النار على الجيش المجري في صِريبا، وعن الجنود الذين ماتوا عطشًا فوق هضبة دوبردوفسكا، لكن كل ذلك حدث في مكان بعيد عنهم، لم يعرف أهل “رازتوكي” المدافع، ولا البنادق الآلية؛ اعتبروا القنابل المختلطة بالشظايا، وطلقات الهاون التي تدمر النوافذ في محيط أربعة كيلومتر، كائنات خارقة، تفكر وتقرر، لا تقتل سوى الأشرار، ولا تدمر سوى المدن الفاسدة، وقد انتصر الأخيار، وعندما يَلقى أحد الأخيار حتفه يصير بطلًا، ومصيره الجنة.

هكذا ظل أهل “رازتوكي” طويلًا لا يدركون ما يحدث، حتى لو قبضت الحرب بيديها القاسية على خواصرهم أو ضربت على قلوبهم مباشرة ربما لن يفهموها، لكن الحرب لم تتردد، ربما كانت “رازتوكي” في حماية الرب، لكن الحرب طالتها، وأغرقتها في أُتُون حرب عالمية وحشية.

كان “فوتياخ” ابن “كومار” أول اتصال لأهل “رازتوكي” بالحرب، عاد في إجازة ويده مصابة بطلق ناري، وصار مركز اهتمام كل سكان “رازتوكي”، قلبوا يده، وراحوا يتفحصونها وكأنهم لم يروا مثلها من قبل، تحدثوا طويلًا عنها، رغم أن الأمر كان طبيعيًّا للغاية، اخترق طلق ناري يدَه، ثم واصل طريقه، ربما ليستقر في قلب أحدهم، وهو أمر معهود، لم تكن إصابته خطيرة، كان يحرك يده وكأن شيئًا لم يحدث لها.

‘إنها إصابة بسيطة’؛ هكذا قال الناس، وظلوا يرددون العبارة إلى أن جاء “يورو بوفيلا”، أبٌ لثلاثة أولاد، اقتطعت شظيةٌ -تطايرت من إحدى القنابل- ثلاثةَ أصابع من يده اليُسرى، وقتها عرف أهل “رازتوكي” أن شظايا القنبلة تنفجر في الهواء، كان “يورو بوفيلا” متين العصب مثل شجرة بلوط، عاد إلى بيته سعيدًا، لكنه بكى وهو يتركه، ولأول مرة يَصُبّ أهل “رازتوكي” لعناتهم على الحرب وهم يرون دموعًا في عيني رجل لم يبكِ طيلة حياته.

‘كم هي لعينة هذه الحرب’؛ راحوا يرددون، وكراهيتهم لها تزداد يومًا بعد يوم؛ لأنها بدأت تُعكِّر عليهم صفوهم، بدأ يختفي من المتاجر الدقيق والمواد الغذائية والكيروسين، بينما أسعار باقي السلع ترتفع بسرعة صاروخية، أعداد رجال البلدة تتناقص شهرًا بعد شهر، والأراضي المهجورة تناديهم، فيجيبها نحيب النساء وبكاء الأطفال الذين نضجوا قبل أوانهم، ثم حدثت عمليات رهن الأملاك، واقتراض الأموال، وأعمال سُخْرة، لم يمر يوم تقريبًا دون أن يحدث أمر مثير، تتالت إعلانات الوفاة التي كانت بمثابة مِطرقة حديدية تدق على رؤوس كل الأسر، انحنت تحتها ظهورهم، والتفَّت مثل أطواق حديدية تستدير تحت مطرقة الحدّاد.