logo-mini
السفينة الخامسة

السفينة الخامسة

أن تعيش غير مرغوب فيك. تصفعك كل دقيقة من عمرك بأنك زائد عليها.. لا أحد يشعر بك ولا يهتم لك.. بأسرة تضمك مضطرة وتضن عليك حتى بأن تمنحك ميزة أن تشعر أنك منها وهي منك فتلك مصيبة..نعم هي كذلك بكل المقاييس

تتحسس بأصابعها مسند المقعد، وتجلس مُنكبّة على نفسها، وقدماها أسفل جسمها. هكذا كانت تظهر فوق الأريكة البنية القديمة، وكأنها خرجت من وسط الوحل كظل لأمي الحقيقية التي مازالت على قيد الحياة. ثم تستيقظ فجأة، وتقشعرّ. تصلح من شعرها، وتؤكد أن شيئًا ما قد حدث وهى جالسة دقيقة أو دقيقتين فوق الأريكة، ومستغرقة في التفكير. وهو ما لم يكن يحدث بالطبع. تقول إن أحدهم أخذ خُفّها، وسكب ماء من الغلاية الكهربائية، ثم أشعل التلفزيون، وغيّر الساعة في هاتفها المحمول. كان كثيرًا ما يظهر عليها الإرهاق بعد كل مرة تنام فيها هكذا. كنت أقول لها: كيف تكوني مرهقة وقد نمتِ لمدة ساعتين! لكنها تؤكد أنها لم تنم، فقط كانت تسترخي، وتقرأ الأخبار على الشاشة. كانت تجيبني على مهلٍ وهى تتنفس بصعوبة، أو تهمس وهى مسدلة العينين وتدعوني أن أصدقها، وتطلب مني أن أصب لها الماء في الغلاية لأصنع لها قهوة سادة قبل أن أخرج.

حفنات من الطين والحجارة محفورة بمجرفة بلاستيكية صغيرة كانت تطوق جثة قِط، وتمنع عنه الديدان والذباب، وتَحُول دون فضولي لرؤيته، وتمنعني من أن أعبث بالعصاة في صدره الصغير المفتوح. كان جسده مازال دافئًا أمام بوابة صغيرة عند مدخل حديقة الجيران، دسوه في حفرة من أثر عجلة سيارة داستها دراجة جارنا النارية بكل ثقلها فقسمته إلى نصفين متساويين، صارا كأنهما قطعتين من النقانق الموصولة بحبل. عَلِقت الأتربة بفروه، وبدت إحدى أقدامه مكسورة بطريقة ملفتة. لولا حدقتي عينيه، تلك الكرتين اللامعتين المتدليتين من محجر عينيه لبدى ذلك القط الصغير وكأنه نمر أسود جاء من رواية “نمر تراسي”، نمر صغير يرقد كما هو الحال دائمًا على الطريق، كسولًا، معتدًّا بنفسه، ومستمتعًا بدفء الشمس، يتجاهل نظراتي الفضولية.

لم أتردد كثيرًا. كنت أعرف أن أحد لن يهتم برفع تلك البقعة السوداء من الطريق. كنت أعرف أيضًا أني لن أمنع نفسي من أن ألتقط عصًا أو سكينًا أو حتى مقص الحديقة وأعبث في الجثة بفضول حقيقي عما يوجد تحت الفرو، وعن ملمسه، ورائحته. هل له رائحة اللحم في مطعم المدرسة، أو أنه يشبه إصبع مبتور. كنت أعرف أني أفعل شيئًا لا يليق، ولا يليق أن أفعله هنا في الشارع، بدون رداء أبيض، وأدوات معقمة، وأمل في أن أعيد إليه الحياة.

قمت وأنا في السابعة من عمري مع أصدقائي بدفن أحد العصافير. عثرنا عليه أسفل إحدى الشرفات في الحي. كان كائنًا صغيرًا، وردي اللون. تُغطي جسده بضعة ريشات رطبة، له عينان زرقاوان واسعتان. من الصعب أن تصدق أن طائرًا مثله يمكنه أن يحلق في الهواء، وتتابعه بسعادة وهو ينقر في فتات الطعام أمام أحد المتاجر الكبيرة. اخترنا له مكانًا هادئًا وجميلًا. قمنا بعمل حفرة على عمق ثلاثة أصابع، وصنعنا له شاهد قبر صغير من ريشتين وحجر، نعم، حجر وصليب، تمامًا كما يجب، وكما يليق عند موت أي إنسان. أقمنا له أيضًا حفل تأبين حقيقي. فارتدينا ملابس رياضية داكنة اللون، وأحضرنا زهور وشموع صغيرة تناسب قبر العصفور الصغير، وقمنا بتلاوة الصلوات ونحن نحبس أنفاسنا، ونتلعثم في كل كلمة. ومن لم يعرف نص الصلوات كان يردد آخر مقطع منها. شعر كل منا بشكل خفيف برائحة الموت، فقط للحظة قصيرة، عندما أدركنا حتميته. لم نستطع وقتها أن ندرك أكثر من ذلك. إضافة إلى الخوف، والرعب الرهيب من الموت والتوقف عن الحركة. انتبهنا إلى أننا مازلنا صغارًا، ضعيفي البنية والمقاومة، ويمكن أن نصطدم في أي وقت بسور السلم، وينتهي بنا الحال فوق الرصيف أسفل العمارة وأقدامنا مكسورة. استمر ذلك الوضع للحظات ونحن نفكر في الموت وفي الطيور. بعد ذلك بأسبوع انشغلنا بأمر آخر ونسينا حكاية الطائر.

بعدها بأربعة أو خمسة أعوام رأيت قِطًا ميتًا أمام بوابة حديقة بيتنا الريفيّ. كنت ساعتها وحدي. بدون تعليق قد ينم عن ارتيابي، وبدون وهم الإيمان بالملاك الحارس، وبدون حزن حقيقي على القط الصغير الذي لم يسمح لي يومًا أن أضع يدي عليه، وخوفًا من طبيعتي الفضولية رحت أتفحصه عن قرب. وبعد لحظات من التردد لمسته بإصبعي. كان مازال دافئًا، وطريًا مثل غطاء سرير مطروح. بدا أقبح قليلًا من غيره من القطط وهى نائمة. لم أشعر نحوه بالأسف، ولم أشعر بشيء غير عادي. فهو لم يكن صديقًا لي. كان مجرد متسول، يظهر عندما يكون في يدي طعام. لم يظهر أي امتنان على إطعامي له. حاولت أن أستدعي ولو دمعة واحدة، لكني لم أنجح. حاولت أيضًا أن أتجاهل النظر إليه، لكني لم أستطع.

عدت إلى الحديقة، وأخذت مقشة من وراء الباب، ثم بدأت أنظف غرفتي كي أشغل نفسي بشيء آخر غير القط. حملت كومة القمامة على صفحات جريدة قديمة، وتوجهت نحو البيت – كنت غالبًا أرش القمامة فوق الحشائش الموجودة أمام بيتنا الريفي مباشرة –دون أن ألقي ولو نظرة سريعة على البقعة السوداء الموجودة على الطريق. بعدها رحت أنفض أغطية السرير والوسائد. تخيلت أن أحدهم يناديني من خلف شجيرات سور الحديقة، فألقيت الوسائد على الحشائش وأسرعت خارج البوابة، فلم أجد أحدًا. لم أجد سوى تلك البقعة التي تضيء مثل ممحاة فوق سبورة المدرسة، ثقب أسود يجذب أنظار الفتيات الفضوليات. أمسكت الجاروف حتى تمكنت من نزع الجثة عن الأرض بعد ثلاث أو أربع محاولات. حملته في الجاروف، ووقفت أمام البوابة أفكر في أن ألقي به في حديقة جارنا عبر السور. وفي النهاية قررت أن أُودّعه بطريقة لائقة.

تراودني السفن كثيرًا في أحلامي. سفن خشبية تبدو ملونة، وكأنها مصنوعة من الورق، أو أشكال من حكايات خرافية في أفلام الرسوم متحركة، يمكن أن يحدث فيها أي شيء. إنها سفن حادة الشكل، مصنوعة من ألواح خشبية خشنة، الفتحات بين ألواحها الخشبية ملوثة بمادة لاصقة. كل تعرجاتها مغطاة بطبقة زرقاء وبيضاء لامعة. تبدو هشة وغير مستقرة، لكنها لطيفة. أحيانًا تكون بها مقصورة يمكن الاختباء فيها. وأحيانًا تبدو مجرد أصداف خاوية بدون مجاديف أو حبال. أتهادى فوق سطح ماء ثابت لا يتحرك. ماء هادئ وخالٍ من تيارات الهواء. وعندما أستيقظ أجد جسدي مبللًا. أشعر بالإرهاق، ويداي تؤلماني وكأنني كنت أسبح طوال الليل، أو أجدف. أجد شعري متلبدًا، ويحتاج إلى أن أغسله بالشامبو. أستيقظ على خيبة أمل وانزعاج، أشعر أني أهدرت طاقة كبيرة بلا طائل. نعم، فلم أبلغ أي مَرْسى. حتى تيارات الماء لم أشعر بها، الرياح تدور وهى حبيسة أحد الأحواض البعيدة عن الماء.

أول مرة راودتني فيها السفن كانت منذ قرابة عشرين عامًا أثناء استراحة قصيرة غفوت فيها، ولم أكن قد استسلمت لنوم حقيقي. لم تترك في ذهني صورة ما، بل انتابني شعور خفيف بالغثيان.

كنت وقتها في البستان، مستلقية وسط الحشائش. سيقانها الجافة في شهر أغسطس توخز في جسمي مخترقة تي شيرت خفيف كنت أرتديه، وأمارس لعبتي البسيطة؛ أتحمل الوخز إلى أن يحدث أمر تافه ومتوقع – مثل أن تسقط إحدى أوراق الشجر على مكان ما فوق الأرض، أو يلتصق طرف الظل بأحد الأحجار، أو يغرد عصفور ما. وإن حدث، أتحرك، وأفرك جسدي، وإلا أظل مستلقية. ساكنة لا أتحرك مثل القنفذ. كنت أنتظر حتى يعلنوا عن قدوم القطار التالي بصوت ضعيف، يتبعه صوت معدن يصقل معدنًا آخر. كنت أبقى مستلقية إلى أن أسمع ذلك الصوت الذي أعرفه. لا أتحرك، ولا أسوي حتى قميصي. أحاول أن أحافظ على سكوني حتى وأنا أعض على أسناني من ألم سيقان الحشائش المدببة والحادة مثل الإبر. أظل مستلقية خمس دقائق أخرى وأنا أطرح ذراعي عن آخره ليختفي وسط قش الحشائش المتكسر، وأدير كفيّ نحو السماء. أشعر بنملة تزحف فوق راحة يدي. فأزيحها قليلًا حتى تنزل عن يدي، ثم أغرق في الزمان والمكان. أرى نفسي أتمدد فوق سطح قارب يتهادى فوق سطح الماء ويجعلني أستسلم للنوم. نوم وسط النوم. لا أرى من فتحة عيني المواربتين سوى سماءً زرقاء صافية، وأطراف القارب المتلألئة، ومجداف وحيد ملقى على جانبي. قررت أني حين أنهض سأمسك بالمجدافين بكلتا يدي وأذهب بالقارب إلى أعلى. لكن متى سأنهض؟ وكيف سأعرف أن علىّ أن أنهض؟

بعدها زحف ظل بيت صغير في الحديقة وظلل عيني. عندها أدركت أن أحدهم يقف بجواري، إنه إنسان. أصبت بالارتباك للحظات، لكني الخوف لم يجد إلى نفسي طريقًا. أدرت رأسي، ثم طرفت بعيني، ورفعت بطري إلى أعلى. لم أجد أحدًا هناك. لم أجد سوى شجرة تفاح، وجزء من ظل كوخ في الحديقة. كانت الشجرة تتمايل قليلًا، فتسللت هذه الحركة إلى أحلامي. شجرة متشعبة، كثيفة الأغصان. بدت كل ورقة فيها وكأنها ورقتان بظلها المتهدج الذي يسقط على عيني. علقت حبات التفاح الناضجة فوق الأغصان وكأنها حبات زينة صغيرة، أو أشياء منبوذة، لم تجد لها مكانًا مناسبًا على سطح الأرض. لكن شجرة التفاح استعادت حقيقتها وخصوبتها بمجرد أن فتحت عيني وفركتها بأطراف أصابعي. ذكرتني ثمار التفاح أنني لم أتناول أي طعام في ذلك اليوم تقريبًا. اتكأت على مرفقي، وأغلقت عيني للحظات من جديد. كان يمكنني أن أظل هكذا مستلقية نصف ساعة أخرى، رغم وخز غصن صغير سرى في عظمة كتفي، وربما لساعتين إن أردت، أو كان لدي سبب لأظلّ هكذا، بأن يراهنني أحدهم على القيام بذلك مقابل رغيف خبز مثلًا أو مشروب كاكاو ساخن. كنت وقتها على استعداد للقيام بأي شيء. كنت في العشرين من عمري.

اعتدلت، ثم جلست وأنا ألتفت حولي يمينًا ويسارًا، إلى أعلى وإلى أسفل كي أرخي عضلات رقبتي التي تصلبت. مازالت إلى اليوم أقوم بهذه الحركة، وبنفس الطريقة حتى أسمع صوت فرقعة عظمة، إنهم يطلقون عليها اليوم اسم كالانيتيكس.

مددت يدي إلى الخلف، فلمست دائرة من أرض واطئة، لطخة نحيلة فوق سطح من حشائش خضراء ذابلة. وكأنه مكان انتزعوا من فوقه بعد أعوام أحد البراميل، فصار خاويًا، بلا ماء ولا نبات.

مازلت أتذكر كل حركة قمت بها وقتها. أتذكر أني مررت بكفّي عدة مرات فوق الطين، وضغطت على كل ما نتأ فوق الأرض، وسويته بأصابعي. أتذكر أني رحت بعدها أتقلب فوق الحشائش، أمعن النظر في ذلك المكان الخواء، وكأنني أردت التخلص من شكوكي حول وجوده، وأنه ليس حلمًا راودني وأنا نائمة وسط الحشائش. لكني حلمت بالقارب، وحلمت أيضًا بتلك المقبرة الصغيرة. كلها أشياء محتملة. الإنسان يرقد، ويفكر، ثم يغلبه النعاس، فينام لمدة ساعة، أو ساعتين. ساعتين من الحياة يقضيهم في أحد الأغوار، وتظلا هناك إلى الأبد، محرومتان من أي فرصة في حياة كاملة، على نحو أفضل. الحلم يجمع بين أشياء تبدو غير مؤتلفة، فيتأملها الإنسان ويسعى إلى أن يجد ما يربطها ببعضها. لوتسيا، أمي اسمها لوتسيا- طلبت مني منذ صغري ألا أناديها بكلمة ماما، لأنها تشعر وكأنها عجوز خَرِفة- كانت كثيرًا ما تنام بهذه الطريقة: عيناها مواربتين، بهما خطان أسودان رطبان، لا تطرف بهما، وأحيانًا كانت تحرك مقلتيها يمينًا ويسارًا وكأنهما بندول ساعة.