logo-mini
أوروبيانا

أوروبيانا

«اوروبينا: مختصر تاريخ القرن العشرين» يُعدّ موسوعة مختصرة عن كل ما تميز به القرن العشرين «بدءًا من حمالات الصدر النسائية وحتى نظرية المعلومات». يتحدث فيه أورشادنيك عن متوسط طول الجنود الأمريكيين الذين شاركوا في جبهة الحلفاء، وعن وعدد القتلي الأمريكيين في مقاطعة نورماندي الفرنسية الذين لو اصطفت جثثهم كانت لتبلغ 38 كيلوا مترًا

للغاية حتى يسهل التعرف عليهم من بعيد. وظهرت في الهواء السفن الطائرة والطائرات، وأصيبت منها الخيول بالهلع. وراح الأدباء والشعراء يبحثون عن أسلوب أفضل للتعبير. ففكروا في عام 1916 في مذهب الدادائية، لأن كل شيء بدا لهم سخيفًا. وفي روسيا فكروا في الثورة. فحمل الجنود حول أعناقهم أو في معصمهم علامة تحمل اسمهم ورقم الكتيبة التي يتبعونها، حتى يسهل التعرف عليهم لكي يرسلوا لذويهم برقيات التعزية. وعندما كانت رقابهم أو أيديهم تنفصل عن أجسادهم أثناء الانفجار، كانت القيادة العسكرية تعلن أنهم جنود مجهولون. وكانوا يشعلون شعلة كبيرة في معظم العواصم لإحياء ذكراهم، لأن النار تحتفظ بذاكرة الماضي. كان طول طابور الجنود الفرنسيين الذين لقوا حتفهم في الحرب يمتد إلى مسافة 2681 كيلومترًا، وطابور الجنود الإنجليز 1547 كيلومترًا، والجنود الألمان 3010 بمتوسط طول الجثة الواحدة 172 سنتيمترًا. وكان إجمالي طول طابور الموتى في أنحاء العالم 15508 كم. انتشر في عام 1918 وباء البرد في كل أنحاء العالم. كانوا يطلقون عليه نزلة البرد الإسبانية التي قتلت أكثر من عشرين مليون فرد. قال معارضو الحرب ومناهضو التسليح لاحقًا إن هؤلاء كانوا أيضًا من ضحايا الحرب، لأن الجنود ومثلهم المدنيون كانوا يعيشون في ظروف صحية سيئة. وأكد علماء علم الأمراض أن من ماتوا بسبب الإنفلونزا كانوا أكثر ممن ماتوا في الحروب، وخاصة في جزر المحيط الهادئ، والهند، والولايات المتحدة الأمريكية. وقال الفوضويون إن هذا ما يجب أن تكون عليه الأمور، لأن العالم قد فسد، ويتجه نحو الفناء.

وقال مؤرخون آخرون إن القرن العشرين بدأ في الحقيقة قبل ذلك، وإن بدايته كانت مع الثورة الصناعية التي أنهت العالم التقليدي، وإن ذلك يرجع إلى وجود القطارات والبواخر. وقال غيرهم إن القرن العشرين بدأ عندما تأكد البشر من أن أصولهم تعود إلى القردة. وكان بعض الناس يشككون في أن الإنسان أصله قرد، لأنه تطور أسرع منه. وبدأ الناس يقارنون بين اللغات، ويبحثون عن اللغات الأكثر تطورًا، وعن الشعوب التي وصلت درجات أعلى من غيرها في عملية التحضر. واعتقدت الغالبية بأن الفرنسيين أبقوا لغتهم متطورة أكثر من غيرهم، لأن أشياء كثيرة ومهمة حدثت في فرنسا، كما أن الفرنسيين يجيدون الحديث، ويستخدمون الجمل الشرطية في الماضي البعيد، ويبتسمون للنساء بطريقة فاتنة، ونساؤهم يرقصن الكنكان. واخترع الرسامون الفرنسيون أسلوب التأثيرية في الفن. لكن الألمان كانوا يقولون إن الحضارة الحقيقية يجب أن تكون بسيطة، وقريبة من الشعب، فابتكروا المذهب الرومانسي. وكتب العديد من الشعراء الألمان عن الحب، وعن الضباب الذي ينتشر في الوديان. كان الألمان يقولون إنهم حَمَلة شعلة الحضارة الأوروبية الأصليون، لأنهم يجيدون فنون القتال والتجارة، ويجيدون أيضًا تنظيم حفلات الترفيه. أما الفرنسيون فمتكبرون، والإنجليز متفاخرون، والسلاف لغتهم مَعيبة

مقتطف

كان كان الجنود الأمريكيون الذين لقوا حتفهم في نورماندي عام 1944رجالًا أقوياء، بلغ متوسط طول الرجل منهم 173 سنتيمترًا. ولو أنهم اصطفوا، وقسناهم من رأسهم حتى أخمص أقدامهم، لكان إجمالي طول الطابور 38 كيلومترًا. كان الألمان كذلك رجالًا أقوياء البنية. وأقواهم على الإطلاق كان القناصة السنغاليين، وذلك في الحرب العالمية الأولى. كان طول الواحد منهم 176 سنتيمترًا، لذلك وضعوهم في الصفوف الأمامية، حتى يرهبوا بهم الجنود الألمان. يقال إن الناس أثناء الحرب العالمية الأولى كانوا يتساقطون كحبّات المطر. وكان الشيوعيون الروس فيما بعد يحسبون كمية السماد التي تصنعها الجثث على مساحة واحد كيلومتر، ليعرفوا كم سيوفرون من استيراد السماد الأجنبي، فقد كانوا يستخدمون جثث الخونة والمجرمين كسماد. ابتكر الإنجليز الدبابات، والألمان الغاز، وكانوا يسمونه يبيريت، لأن الألمان استخدموه لأول مرة في مدينة يبيريس. لكن يبدو أن هذه لم تكن الحقيقة. وكانوا أيضًا يسمونه بغاز الخردل، لأنه كان يهيج الأنف مثل المسطردة. ويبدو أن هذه هى الحقيقة، لأن الجنود الذين عادوا بعد انتهاء الحرب امتنعوا عن تناول المسطردة. يُقال إن الحرب العالمية الأولى كانت حربًا إمبريالية، لأن الألمان كانوا يعتقدون أن بقية الشعوب تعمل ضدهم، ولا يريدون لهم أن يصبحوا قوة عظمى، ويؤدوا رسالتهم التاريخية. وكانت غالبية الشعوب في أوروبا، مثل ألمانيا، والنمسا، وفرنسا، وصريبا، وبلغاريا ترى أن هذه الحرب ضرورية وعادلة، وأنها ستنشر السلام في العالم. وكان كثير من البشر يعتقدون أن الحرب تُحيي في الإنسان الفضائل التي تراجعت إلى الخلف في ظل العالم الصناعي الحديث، مثل حب الوطن، والشجاعة، والتضحية. تطلَّع الفقراء إلى ركوب القطارات، وتطلّع الريفيون منهم إلى زيارة المدن الكبيرة، والاتصال هاتفيًّا بالبريد، ليرسلوا تلغرافًا إلى زوجاتهم ليقولوا لهنَّ: “إِنَّا بخير، ونتمنى أن تكنَّ أيضًا بخير”. وتطلع جنرالات الحرب إلى أن الصحف سوف تكتب عنهم. وكان أصحاب الأقليات العرقية سعداء بأنهم سيتحدثون عن الحرب مع مواطنيهم، وسوف ينشدون معًا الأناشيد الوطنية، والأغاني العاطفية. واعتقد الجميع أنهم سيعودون جميعًا في موسم حصاد النبيذ، أو لاحقًا في أعياد الميلاد.

كان بعض المؤرخين لاحقًا يقول إن القرن العشرين بدأ في عام 1914 مع اندلاع الحرب، لأنها كانت أول حرب في التاريخ يشارك فيها هذا العدد الكبير من الدول، ويموت فيها هذا العدد من البشر، وتطير فيها السفن الجوية والطائرات، لتقذف الأراضي والمدن والمدنيين، وتُغرِق الغواصات السفن، وتُطلق القذائف من المظلات على بعد عشرة أو عشرين كيلومترًا. كانت الحرب التي اخترع فيها الألمان الغاز، والإنجليز الدبابات، واكتشف فيها العلماء النظائر، ونظرية النسبية التي أثبتت أنه لا وجود للميتافيزيقا، وأن كل شيء نسبي. وعندما رأي القناصة السنغاليون الطائرة لأول مرة في حياتهم اعتقدوا أنها طائر أليف. وقام أحد الجنود السنغاليين باجتزاز قطع لحم من جثث الخيول الميتة، وراح يرميها بكل عزم على الطائرات حتى تبتعد عنه. كان الجنود يرتدون زيًّا أخضر مموهًا حتى لا يراهم الأعداء. وكان هذا أمرًا جديدًا وقتها، حيث كان الجنود في الحروب السابقة يرتدون أزياء مزركشة