logo-mini
أغبياء في السياسة

أغبياء في السياسة

ندما يتعرف الإنسان على السياسة عن قرب، يجد أمامه خيارين متباينين: البكاء أو الضحك. لم أجد في نفسي رغبة في البكاء، لذلك رحتُ أنظر إلى السياسة وإلى أهلها من ذلك الجانب المضحك.

السياسة، والجنس

“السِّياسِيُ الشّرِيفُ مِثْل اللّص الشّريف، لا وُجُودَ لَهُ”.

هنري لويس مينكن

تشبه السياسة الجنس إلى حد بعيد، خاصة أننا نفكر في كل منهما كثيرًا. يمكننا أن نفعل أشياء كثيرة مفيدة أثناء التفكير في الجنس أو في السياسة. فأنا أحب التفكير في السياسة وأنا أنزح البالوعة بطلمبة نزح الرواسب ماركة ALKO IPV 1100 INOX‎. توصلت إلى أن الثفل الثقيل في عصير العنب يترسب في القاع، على عكس رواسب البالوعات. تصطدم بالقطع الكبيرة كلما صعدت إلى أعلى حيث تتجمع وتنصهر مع بعضها فوق السطح. ولا يضرها أنها قادمة من مؤخرات متخلفة. وعندما يتزايد عددها في البالوعة، وتوشك على أن تتسرب إلى الخارج، تُسْقِط طلمبة نزح الرواسب في قاع البالوعة كي تنظفها. غير أن قانون البالوعات يقول إنكَ مهما نظفتها فلن تسحب منها سوى الرواسب المتناثرة. أما القطع الكبيرة فتشكل طبقة متجانسة وقوية فوق السطح، وكلما انخفض مستوى السطح تنخفض معه. ويزيد سقوطها نحو القاع من التحامها وتضامنها مع بعضها. وتشعر بحاجة كل منها إلى الأخرى كلما استقرت في القاع. يمكنكَ أن تطلق عليها وابلًا من ضغط الماء العالي كيفما شئت، لكنكَ لن تفتّت الطبقة السميكة التي تكونت.

يقول قانون البالوعات الأول: “أكبر القطع تطفو فوق السطح”، ويقول قانون البالوعات الثاني: “كلما بقيت القذارة في البالوعة فترة أطول، ازدادت صلابة وانسجامًا”. وكون القاذورات الكبيرة تطفو فوق السطح لا يمنع من أن هناك قاذورات صغيرة غيرها في المستويات الأدنى. وقد لاحظ خبراء المجاري أن وجود مياه نظيفة في البالوعات لا ينفي أنها ستظل بالوعة مجاري. والعكس صحيح، فلو أنكَ صببت قذارة في المياه النظيفة فسوف تتحول إلى بالوعة قاذورات.

القانون البالوعات الثالث يقول: “بالوعة المجاري ستظل بالوعة مجاري”. ونضيف إليها الآن القانون الرابع: “بالوعة المجاري لا تصدر إلا رائحة نتنة”. ويمكن التعايش معها لو تظاهرت الأغلبية بأنها غير متضررة من الأمر. وفي نهاية حديث المجاري أقول إن للعطور رائحة طيبة، لكن هذا لا يعني أنها جيدة للتسميد.

أتمنى ألا تُثني الكلمات السابقة كل من يشق طريقه في عالم السياسة عن مواصلة سعيه. فعامل المنجم مهدد بالإصابة بالربو، وصائد الأسماك يتوعده الروماتيزم، والطبيب النفسي عُرْضة للإصابة بخلل عقلي، والطبيب أو الممرضة قد يصاب بالسرطان جراء تعرضه للأشعة، وكذلك يتعرض الدبلوماسي الذي يعمل في إفريقيا الاستوائية للإصابة بالملاريا، والعامل في مصنع للإسمنت عُرضة للإصابة بالسُّل، ولاعب كرة التنس بالإصابة في وتر المرفق، وعضو في فريق الموسيقى الصاخبة بالصمم. كذلك رجل السياسي يخاطر بانحناءة دائمة في ظهره. لكن هذا المرض قابل للعلاج.

إن دورة السياسة، مثلها مثل طلمبة تنظيف المجاري، قائمة على تنظيف اسطبل الملك “أوجياس” للخيل[1]. فلم يتمكن أحدهم من تنظيف إسطبل “أوجياس” القذر. ولو لم يترك السياسيون السابقون لخلفائهم اسطبلًا ما، فمن المؤكد أن خلفاءهم سيصنعونه. وإن لم يفعلوا فسيصنعونه هم على عَجَل، ثم يدعون الصحفيين كي يصوروه، ويسجلوه، ويعرضوه على الشعب. تنقسم إسطبلات “أوجياس” إلى إسطبلات محافظة، وأخرى اشتراكية. الإسطبلات الليبرالية عددها أقل بكثير من غيرها؛ لأن المحافظين والاشتراكيين حريصون كل الحرص على أن يصنعوا هم بأنفسهم إسطبلات “أوجياس” عند فوزهم في الانتخابات. وقد ظهرت إسطبلات “أوجياس” مع ظهور الديموقراطية الجَمْعِيّة. ففي النظم الشمولية لا يَنتقد الخليفة من سبقه؛ لأن كليهما صورة للآخر، لأن الحكومة التي يشكلها حزب واحد تُستبدل بحكومة من نفس الحزب. عيب هذه الحكومات أن المواطنين لا يستطيعون أن يتهموا رؤساء الحكومات السابقين بأي نوع من التقصير. فرؤساء الحكومات، ورؤساء الدول، أو حتى السكرتير العام في النظم الشمولية، غالبًا ما يغادرون مناصبهم مرفوعي الهامة. وليس من اللياقة في مثل هذه الظروف أن يَحْمرّ وجه أحدهم خجلًا. لكن بعد الثورة المخملية يمكننا أن نطالب السياسيين السابقين بأن يخجلوا مما فعلوه.

 [1]  تقول الأساطير اليونانية القديمة إنه كان لأوجياس ملك إيلايس إسطبلات هائلة ظلت لسنوات طويلة دون تنظيف، حتى جاء البطل هرقل ونظفها في يوم واحد. وتعبير “إسطبلات أوجياس” يعني: تراكم  الأوساخ والأقذار، أو الحد الأقصى من الإهمال والفوضى (المترجم).

السياسة والتهريج

“مِنْ أَكْثَر أوْهَام السّياسِيين أن يَعْتَقِدوا أنّ هُنَاك مَنْ يَهْتَمّ بِهِم”

هيل

عندما يتعرف الإنسان على السياسة عن قرب يجد أمامه خيارين متباينين: البكاء، أو الضحك. لم أجد في نفسي رغبة في البكاء، لذلك رحت أنظر إلى السياسة وإلى أهلها من ذلك الجانب المُضحك. في حياة كل منا العديد من الأحداث الدرامية التي تُكدّر عليه معيشته. لذلك ما الفائدة في أن أزيد الطين بله وأنت تقرأ هذا الكتاب، بينما أنا شخصيّا استمتعت وأنا أكتبه؟

وقد قررت أن أعالج ثنائية – السياسة والمأساة، والسياسة والتهريج، بالانحياز إلى النهج الساخر. أرى الآن اللغويين المتشددين وهم يتأففون من استعمال كلمة تهريج. في الواقع أن تاريخ التهريج يتشابه كثيرًا مع تاريخ السياسة. فكلنا نحب المزاح، رغم أن الغالبية لا تعرف معنى التهريج الحقيقي. كذلك أيضًا نحب الحديث في السياسة، رغم أن معظمنا لا يعرف ما هي السياسة في الواقع. التهريج يقوم به أناس لم ينهوا تعليمهم الأساسي بسبب رسوبهم في مادة النحو، التهريج يمارسه أيضًا جهابذة علماء اللغة. ورغم ذلك لم يظهر حتى الآن رجل شجاع، ليقوم بتصنيف كلمة تهريج على أنها جزء أساسي من اللغة السلوفاكية. يراودني شعور بأن السبب في هذا يعود إلى رغبتهم في أن نشعر طوال الوقت بتأنيب الضمير. فما زالت تتردد في أذني كلمات من أيام الطفولة يقولها الكبار، بأن كلمة تهريج ليست فُصحى. “وما هي الكلمة الفصحى؟”، كنت أتساءل وأنا طفل، وما زالت أتساءل إلى اليوم. “مزحة، لهو، ضحكة، نكتة، مزاح، هزل…؟”. ربما نستخدم هذه المرادفات في إطار نشاط إنساني آخر، وليس في إطار السياسة. فالإنسان الذي يأخذ السياسة مأخذ الجد ليس إنسانًا مرحًا، لا يلقي طُرْفة أو نكتة، لكنه مُثير السخرية. مثله مثل السياسة نفسها. وعليكَ أن تبتعد عنها قدر المستطاع. فلو أنكَ انخرطت فيها لرأيتها جادة. الأمر شبيه بأن تنام على فراش الموت. فلن تملك نفسك من الضحك عندما تتمكن من مغادرته.

عندما يقول رجل السياسة إن الاتحاد الأوربي يضم خمس دول أو خمسين دولة أعضاء، وأن الأجور سوف تتضاعف، أو أنهم سيرسلون جنودهم للحرب ما دام لن يحدث لهم مكروه، وعندما يوبخ السياسي في مارس عام 1990 على الملأ كل من أراد استقلال سلوفاكيا، ثم بعدها بعامين يمجدهم، لا يمكن أن نسمي هذا مزحة، أو نكتة أو هزلًا. إنه تهريج، وربما مهزلة أو مسخرة.

السياسة رسميًا تعني إدارة الشأن العام على مختلف المستويات من أجل صالح المواطن. هكذا عرفها خبير الشئون السياسية “ماكس ويبر”. ويؤكد البعض أن “ويبر” كان يعني بعبارة “على مختلف المستويات”: على مستوى الدولة، والإقليم والمدينة. وبعد دراسة متأنية لمقولة “ويبر” أظن أنه كان يعني: على مختلف مستويات السياسيين. أنا مقتنع بهذا التفسير؛ لأن المستوى الأخلاقي والتعليمي لرجل السياسة في أمور إدارة الشأن العام، أهم بكثير من المستوى الذي يدار به الشأن العام نفسه. ولكي تكون ناجحًا في عالم السياسة يجب أن تكون حاضر الذهن على نحو يسمح لكَ بفهمها، وأن تكون غبيّا على نحو يجعلك لا تعتقد بأنها ذات أهمية. وقد ظهر على مرّ التاريخ أناس واهمون، حاولوا أن يضعوا قواعدً للسياسة. لكن القاعدة الوحيدة في السياسة هي أنها بلا قواعد. ولو اعتقد أحدهم بأن هناك قواعد في السياسة فهي من أجل أن يكون هناك ما نخالفه. إنه أمر شبيه بكرة الماء. الفارق بينهما هو أن كرة الماء بها رفسات، ولدغات، وخربشة، ومحاولات إغراق ربما لا تراها لأنها تحدث تحت سطح الماء. وفي السياسة تحدث محاولات الإغراق حتى فوق السطح، ويتلهى فيها المشاهدون من خروقات اللاعبين للقانون. وأحيانًا يسعد بها اللاعبون أنفسهم.

يرى رئيس الوزراء التشيكي “ميلوش زيمان”[1]، وهو أحد أكثر الوزراء الأوروبيين ثقافة و”ظرافة”، أن السياسة هي صراع مع التفاهة، بما فيها التفاهات الشخصية. كلمات كهذه لا يقولها سياسي يتمتع بحس فكاهيّ مصقول فقط، بل وشخص مُهرّج بالمعنى الحقيقي للكلمة. المهرج هو الشخص الذي يستطيع أن يسخر من نفسه أيضًا. أما الساخر فهو مَن يسخر فقط مِن الآخرين. المهرجون في السياسة غير موجودين عمليّا، أما الساخرون فأعدادهم كبيرة نسيبّا، والآخرون يشكلون الأغلبية التي لا تعرف معنى السخرية أو التهريج، وفي نفس الوقت هم على قناعة بالعكس.

يقسم “زيمان” التفاهة إلى ثلاث درجات:

  1. الدرجة الأولى: وهي أقل درجة من درجات التفاهة، ألا وهي الجهل. ونحن ننتمي جميعًا إلى هذه الدرجة؛ لأنه لا يوجد من يعرف كل شيء (باستثناء مكتب عمدة المدينة. ملحوظة المؤلف).
  2. الدرجة الثانية، وهي درجة أعلى من درجات التفاهة، ويسميها زيمان “الغباء”. الغباء هو حالة نفسية للإنسان الذي لا يعرف أنه لا يعرف. وهذه المجموعة لديها فرصة أكبر في أن تتطور.
  3. أعلى درجات للتفاهة هي التفاهة نفسها. فالشخص التافه ليس فقط لا يعرف أنه جاهل، لكنه يعتقد أن عليه أن يعلن ذلك على الملأ بكافة الطرق. وحسب نظرية “زيمان” المتطورة يمكننا أن نطبق هذه الدرجات الثلاث على المواد الصلبة شبه المُوَصّلة. الشخص الجاهل يعترف صراحة أنه لا يعرف ما هي أشباه الموصلات. أما الشخص الغبي فيسأل: ما الذي حدث حتى صارت أشباه موصلات؟ أما التافه فيقول باستياء إنه لا يهتم بأشباه الأشياء، وسينتظر حتى تصبح كاملة التوصيل. من المستحيل التخلص من الأغبياء، لكن يجب أن نجعل المجتمع أكثر ثقة بنفسه قدر الإمكان. وهنا تنطبق قاعدة “مارك تورين” بأنه كلما صار المجتمع أكثر ثقة بنفسه تزايدت قدرته على تقبل المزيد من الأغبياء.

[1] هو الرئيس الحالي للجمهورية التشيكية  (المترجم).